تعد فرنسا من أكثر الدول الأوروبية عداء لتركيا، وليس سرًّا أن جلّ الدول الأوروبية لا تحمل ودّا لتركيا وبعضها الآخر من يصرّح أن تركيا هي الشرير المتواجد في الجهة الشرقية الجنوبية لأوروبا، لكن بدون علانية وذلك خوفًا من فتح تركيا لحدودها وإغراق أوروبا باللاجئين ومع ذلك لم يمنع فرنسا من الجهر بعدائها علانية لتركيا.

السؤال المطروح: لماذا لا تدرك فرنسا حجم الخطر التركي عليها وعلى الاتحاد وتواصل في عدائها المستمر؟

في البداية كان الأمر مجرد انتقادات بين الطرفين، ثم تطور الوضع ووصل إلى مستوى الإتهامات وأحيانًا إلى درجة الخطورة فمثلًا وصف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بأن الدور التركي في ليبيا بالدور الإجرامي.. دون الحديث عن الشتائم المتبادلة بين ماكرون وأردوغان التي وصفت بغير مسبوقة في العلاقات الدولية.

لكن توجد بعض الملفات أخرى خاصة: أزمة شرق المتوسط والملف الليبي وكذا تغلغل النفوذ التركي في أفريقيا رفقة الصين. وبعض الاعتبارات التي تعتبرها فرنسا تهديدًا لمصالحها ولأمنها القومي مثل الإرهاب واللاجئين.

ومن الأسباب غير المباشرة أيضًا لهذا الصراع المتصاعد: محاولة فرنسا الحفاظ على نفوذها القديم في مختلف مستعمراتها سواء في شرق المتوسط مثل: لبنان وسوريا، وكذا في شمال أفريقيا كالجزائر وتونس، وبعض الدول الأفريقية الأخرى ومن الأسباب كذلك: حفاظ فرنسا على مصالحها الاقتصادية من خلال الخدمات والبضائع التي تصدرها فرنسا لهذه الدول ومع أن فرنسا اصطدمت مع أكثر من دولة على غرار الولايات المتحدة الامريكية والصين وبريطانيا. في مستعمراتها الأفريقية، لكن في السنوات الاخيرة اصطدمت مع تركيا في شتى المجالات.

ومن بين أهم الأسباب أيضًا: مشكلة الإسلام السياسي لأن فرنسا وبحكم أنها تحتوي على أكبر جالية عربية وإسلامية على أراضيها فهي تعتبرهم خطرًا لها على عكس تركيا التي ترى هذه الجماعة أصول ومصدر نفوذ لها، لأن فرنسا تعتبر هذه الجماعة خطرًا عليها لأنها تعد من أكثر الدول الاوروبية التي تتخوف من الإسلاموفوبيا.

حيث اكتشفت معظم دول أوروبا مؤخرًا أن لتركيا أذرع كثيرة في أوروبا من خلال جاليتها وكذا الأئمة التي ترسلهم والجمعيات الخيرية ذات التمويل التركي وأن البرلمان الفرنسي قدّم 44 مقترحًا منها: محاصرة هذه الجماعة وتقييد نشاطها التي تمولها تركيا.

فمثلًا عند قيام الأمن السويسري باعتقال للقيادي الإخواني يوسف الندا بين عامي 2001 و2002 وجدوا بحوزته وثائق ترجمت إلى عدة لغات حيث إنها كشفت لهم عن نظام إخواني، وتغلغلهم في أوروبا، ولابد عن السيطرة على هذه الدول لأن الإسلام يعلى ولا يعلى عليه.

أما من الجانب التركي وبالضبط في مارس (أذار) 2018 رئيس لجنة الاستخبارات يقول: إن أوروبا ستكون مسلمة وأنا واثق من ذلك.

وفرنسا من أكثر الدول حساسية من هذه الجماعة لأن لديها أكبر جالية مسلمة على أراضيها وأيضًا كونها أكثر دولة تضررت من الأعمال الإرهابية خاصة بين 2015 و2016 التي أودت بـ250 فرنسي، وفي عام 2017 وزير الداخلية الفرنسي قال: نحن أحبطنا 32 عملية إرهابية كانت في طريقها إلى التنفيذ.. وقال أيضًا: إن فرنسا تراقب عن كثب 8132 مقيم فرنسي عندهم ميول للعنف والإرهاب. حيث تعد هذه المشكلة هي العائق الاكبر بين الدولتين فتعارض فرنسا للدور التركي لأسباب عدة منها الاقتصادية والإستراتيجية.

والأهم من ذلك هو عدم وصول الإسلاميين للحكم لأن هذا تعتبره فرنسا تهديدًا لأمنها القومي ولأوروبا ككل وأيضًا خوف فرنسا من فقدان نفوذها في أكثر من 14 دولة أفريقية التي بدأت تدخلها تركيا.

لأن حسب الأمم المتحدة قالت أن عدد الأفارقة سيكون أكثر من الصينيين خلال سنوات فقط لهذا تعد أفريقيا سوقًا كبيرة لها، وأيضًا أن تركيا خلال العشر سنوات الأخيرة فقط بنت أكثر من 44 قنصلية وسفارة في عموم أفريقيا، وأن الرئيس التركي قام بزيارة أكثر من 30 بلدًا أفريقيًا، آخرها كان الجابون.

أما الإستراتيجيات الناعمة التي تستخدمها تركيا في أفريقيا هي: التركيز على تشويه فرنسا الاستعمارية وتذكيرها بماضيها الدموي ففي فبراير (شباط) 2020 قال الرئيس التركي أردوغان أن فرنسا قتلت 5 ملايين جزائري، وأن الرئيس الجزائري تبون هو من أخبره بذلك، وقد طلب منه وثائق تثبت ذلك ليرسلها إلى ماكرون ليعرف ماضي دولته الدموي في الجزائر.

فالأمر هذا لم يثر فقط غضب فرنسا خوفا على مصالحها في الجزائر، بل حتى المسؤولين الجزائرين فقد قاموا بإصدار عدة بيانات يتّهمون الرئيس التركي بإخراج الحديث عن سياقه وتحريفه.. بمعنى وبرسالة مشفرة لأردوغان «لا توظفنا في صراعك مع فرنسا ومن أجل خدمة مصالحك».

وأيضًا من بين الإستراتيجيات الناعمة التي تمارسها تركيا في أفريقيا هي: الاعتماد على القوى الإسلامية الموجودة في هذه الدول والتي توسعت في السودان أثناء حكم البشير والتدخل التركي في غرب ليبيا، وحركة النهضة في تونس، وجماعة النصرة في سوريا، وجماعة الاخوان المسلمين في مصر. كلها جماعات إسلامية مؤيدة ومدعومة من تركيا.

ومن نقاط الخلاف الفرنسي التركي هي: غزو تركيا لقبرص 1974 وقيام فرنسا والمجتمع الدولي بإدانة هذا الغزو وأيضًا موقف فرنسا من جرائم تركيا ضد الأرمن وكذا عدم وجود لأي حزب في فرنسا يؤيد دخول تركيا للاتحاد الأوروبي وتعتبر فرنسا العقبة الكبرى في منع دخول تركيا ضمن دول الاتحاد.

مثلما كشفت عنها الوزيرة الخارجية الأمريكية السابقة هيلاري كلنتون في كتابها الاختيارات الصعبة أن: فرنسا ومجموعة من دول الاتحاد يعتبرون الاتحاد الأوروبي نادي مسيحي لدول تضمها جغرافية واحدة وأن تركيا هي دولة مسلمة لها قدم في آسيا وقدم في أوروبا فليس لها المؤهلات للدخول في الاتحاد.

وهذا ما أدى إلى إحباط تركيا وإغضابها كثيرًا واعتبرته أمرًا ظالمًا لها، فأصبحت أكثر عداء للاتحاد الأوروبي ولفرنسا بشكل خاص مثلما عبّر عنه المحلل السياسي مجدي خليل في قناة الجزيرة: أن الرئيس التركي أردوغان هو أشدّ عداءا للغرب وللولايات المتحدة أكثر من حرصه على مصالح بلاده.

كل هذا يوضح موقف الفرنسي المتوتر مع تركيا، وستكون له تداعيات كبيرة على الجانبين، إلا إذا تراجعت تركيا في بعض مواقفها والتي أدّت بها إلى العداء مع أكثر من دولة في وقت واحد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد