أثار اغتيال الصحافي الأردني ناهض حتر في العاصمة الأردنية عمان بعض الأسئلة القديمة الحديثة عن مشروعية مواجهة الفكر بالرصاص، وتجدد النقاش المحتدم بين من يرون القتيل مجرمًا يستحق الموت لتطاوله على الذات الإلهية، وبين من يرونه صحافيًّا لا يجب محاكمته على رأيه!

ماذا تعني حرية التعبير؟

يضمن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية في المادة 19 الحق في حرية التعبير.

وفي موسوعة ويكيبيديا نجد تعريف حرية الرأي والتعبير يمكن تعريفها بالحرية في التعبير عن الأفكار والآراء عن طريق الكلام أو الكتابة أو عمل فني بدون رقابة أو قيود حكومية، بشرط أن لا يمثل طريقة ومضمون الأفكار أو الآراء ما يمكن اعتباره خرقًا لقوانين وأعراف الدولة أو المجموعة التي سمحت بحرية التعبير، ويصاحب حرية الرأي والتعبير على الأغلب بعض أنواع الحقوق والحدود مثل حق حرية العبادة وحرية الصحافة وحرية التظاهرات السلمية.

هل تعني حرية التعبير أن يقول كل شخص ما يريد أن يقول؟

ربما هذا ما ييتبادر إلى ذهن البعض حين يسمع كلمة حرية التعبير، ويستدل حينها بالديمقراطية الغربية التي تسمح لكل شخص أن يقول أي شيء، بما فيه السخرية من الحاكم وانتقاده علنًا بلا خوف (طبعا هذا من المحرمات عند الحكومات العربية).

لكن الحقيقة أن الغرب لا يسمح لكل شخص بأن يقول كل ما يريد، بل لكل دولة ثوابت ومتغيرات، تسمح لكل شخص أن يتحدث في المتغيرات، بينما الويل كل الويل لمن يقترب من الثوابت!

هل هناك ثوابت لدى الدول الغربية تحرم الاقتراب منها؟

بالطبع، وليس معنى أن محرماتهم تختلف عن محرماتنا أنه ليس لديهم محرمات!

وأهم تلك المحرمات لدى الغرب هو قضية معاداة السامية! ففي كل الدول الغربية تقريبا قوانين تجرم أي فعل يفهم على أنه معاداة للسامية.

وهذا المصطلح يحتاج إلى «تفكيك»، على طريقة الدكتور المسيري رحمه الله. فرغم أن العرب ساميون، إلا أن المقصود من المصطلح هو معاداة اليهود دون العرب!

ورغم أن الصهيونية فكرة تختلف تمامًا عن مصطلح اليهودية، وهناك يهود كثر غير صهاينة، وهناك عرب ومسلمون كثر صهاينة (الليكود العربي) إلا أن التجريم الغربي لمعاداة السامية يشمل كل فعل ينتقد الصهيونية!

هل عاقب الغرب أحدًا بسبب رأيه؟

نعم.. ولا أقصد هنا كوبرنيكوس الذي رفض رأي الكنيسة بمركزية الأرض، وأجل نشر كتابه حتى يوم وفاته، ولا جاليليو الذي تراجع أمام محاكم التفتيش عما يؤمن به خشية القتل والصلب، فاكتفت الكنيسة بإحراق كتبه وفرض الإقامة الجبرية عليه.

لا أقصد هذا بالطبع، بل أقصد كاتبًا ومفكرًا فرنسيًّا مسيحيًّا شيوعيًّا، ولد في فرنسا، لأم كاثوليكية وأب ملحد. واعتنق البروتستانتية وهو في سن الرابعة عشر، قبل أن يتحول إلى الإسلام عام 1982. إنه المفكر العالمي روجيه جارودي، الذي أسمى نفسه رجاء.

شكّك جارودي، في كتابه «الأساطير المؤسسة لدولة إسرائيل»، في الأرقام الشائعة حول إبادة يهود أوروبا في غرف الغاز على أيدي النازيين! فهل اعتبر ذلك حرية تعبير؟

لا.. في عام 1998 أدانت محكمة فرنسية جارودي بتهمة التشكيك في محرقة اليهود، وصدر بسبب ذلك ضده حكم بالسجن لمدة سنة مع إيقاف التنفيذ!

هل هذه ثوابت أوروبا الوحيدة؟

جارودي لم يسلم من العقاب، رغم أنه كان يقول رأيًا علميًّا موثقًا بالأرقام. ورغم ذلك، فيبدو أن هذه النقطة ليست الوحيدة التي تثير حفيظة الغرب الذي يجنح شيئًا فشيئًا نحو التطرف!

هل يستطيع أحد أن يقول ماذا فعلت السيدة المسلمة التي ارتدت البوركيني على أحد شواطئ فرنسا؟ هل أطلق الرصاص على أحد، أم كانت تخفي متفجرات تحت ثيابها؟

***

الغرب يثبت أنه يستخدم مصطلح «حرية التعبير» لنقض الثوابت التي يقوم عليها الإسلام، بينما لا يسمح لأحد أن يقترب من ثوابته.

وأحد أهم الثوابت لدى المسلمين هي الدين، ويرفضون رفضًا تامًا المس بالذات الإلهية أو أحد من الأنبياء. وإذا كان الصحافي الأردني مخطئًا خطأ يراه البعض كفرًا، فإن السؤال لا يجب أن يكون: هل تؤيد قتله أم لا، وأنا ضد قتله! السؤال يجب أن يكون: لماذا يتعمد الغرب دومًا الاقتراب من ثوابت المسلمين، من الصحيفة الدنماركية التي استهزأت بالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، إلى شارلي إيبدو وغيرها؟

لقد كان جارودي فرنسيًّا مسيحيًّا، ومع ذلك رفض الصهيونية بكل المجازر التي تقوم بها، وكان حتر مسيحيًّا عربيًّا ومع ذلك أيد كل ما يقوم به بشار الأسد من مجازر. ولو قدر أن يلتقي حتر بجارودي على شواطئ فرنسا وشاهدوا ما فعله الأمن الفرنسي في تجريد سيدة من بني البشر من ملابسها، لدافع جارودي عن السيدة المسلمة، ولربما أساء إليها حتر في أحد رسوماته، أو وصفها بالتخلف أو الإرهاب!

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد