من التعليقات السائدة بين العرب بخصوص الأداء الناجح للمنتخب الفرنسي، والتي تحمل مبالغة غير مقبولة، القول الشائع بأن منتخبها الكروي هو منتخب من أبناء المهاجرين وهذا فضل عليها يجب أن تكون ممتنة من أجله! الحقيقة المنصفة هي أن فرنسا قد أهدت هؤلاء الشباب وطنًا يقدر المواهب ويبذل كل الجهد في سبيل تنميتها وصقلها، ويستثمر كل ما يملك ليساندهم في تحقيق أحلامهم بغض النظر عن أصولهم. كما أن دولًا عربية وأفريقية يجب أن تكون ممتنة لفرنسا لأنها أهدتها منتخبات قادرة على المنافسة دوليًّا.

المنتخب الفرنسي المتوج ليلة الأحد الماضي بكأس العالم، هو نموذج للصدق الفرنسي في إدماج أبناء البلاد من أصول غير فرنسية. ربما يتعلق الأمر هنا فقط بالرياضة وهي لا تلمس حقيقة المجتمع الفرنسي برمته، ولكن التفسير يكمن في ميولات فئات اجتماعية معينة للرياضة بشكل أكبر من غيرها. فرنسا بلد يقدس الموهبة في كل المجالات. تعليمها عمومي يمنح الفرصة للجميع دون استثناء بتنمية قدراته وفق ما اختارته نفسه. والرياضة مكون أساسي في التعليم الفرنسي، وهي بمختلف ألعابها تمثل تخصصات متكاملة، لم تفرط البلاد يومًا في تنميتها وتخصيص الميزانيات لتمويل بنيتها التكوينية. المهاجرون في عدد كبير منهم ينتمون لفئات اجتماعية محدودة الدخل، هم يستفيدون من كل الدعم العمومي المالي مقابل تعليم الأبناء. فرنسا تمنح الفرصة لمن اختار الملاعب قبل صفوف الدرس لمحاولة التفوق فيها، فالنجاح بها يحمل كل المعاني بغض النظر عن مجاله. ولنا أن نتخيل ما كان سيكون مستقبل هؤلاء الشباب الأبطال لو لم تحمل الأقدار أسرهم للاستقرار فوق تراب الجمهورية، وما كان سيكون مصيرهم لو لم يقدم لهم كل الدعم لإبراز قدراتهم.

فرنسا بمنتخبها هذا تؤكد أن الترقي الاجتماعي عبر بذل الجهد لتحقيق النجاح حق مكفول للجميع من أبنائها. كما تجسد على الأرض حقيقة أن الإنجاز والموهبة هي وحدها معايير النجاح، بشكل يدحض اتهامات العنصرية التي تطالها بين الحين والآخر. كما أن المركزين في ألوان البشرة للمنتخب الفرنسي يتناسون أن البلاد تمتد حدودها إلى جنب مدغشقر في أفريقيا وأن لها حدودًا مع البرازيل ومع دول في أمريكا اللاتينية، حيث يقطن فرنسيون معظمهم ليسوا ببيض البشرة. فرنسا باتت بلدًا متعدد الأصول والألوان وهي متعايشة مع ذلك رغم بعض المشاكل التي قد تظهر بين الحين والآخر والتي ترتبط أكثر بالأيديولوجيات الدينية أكثر من ارتباطها بالحياة اليومية، وهي في ذلك متقدّمة على معظم دول العالم من حيث تقبلها للآخر، رغم وجود تيار سياسي يحمل فكرًا قوميًا يستمد خطابه بالأساس من ممارسات تسيء للمنحدرين من الهجرة لا يمكن لمواطن سليم تقبلها. ويكفي أن نقول بكلّ أمانة أنّ الحياة استمرت شبه طبيعية في بلد أصابه من الأحداث الإرهابية ما كان سيقلب أي دولة عربية رأسًا على عقب ويملأ سجونها بآلاف المتهمين، وهذا ما يجعل فرنسا أمة قانون بحق.

كأس العالم المنتهية في روسيا قد أثبتث كرويًّا أن المنتخبات كلها متقاربة المستوى. وأن ما يخلق الفرق بينها هو الإصرار على بلوغ النصر والطموح المؤسس على إرادة قوية ببلوغ النجاح. فرق عربية كانت قادرة على المنافسة على الكأس نفسها لولا أنها دخلت التنافس غير مؤمنة بصدق بحظوظها في بلوغ الدور الثاني. المنتخب الفرنسي بالتزامه وتعاونه في الملعب، ببراغماتية لعبه واعتماده العقل قبل القدم قد استحق كأسه الثانية. وهو برفعها يوجه رسالة لكل العرب والأفارقة مفادها بكل بساطة، أن العيب لم يكن قط في الإنسان، بل إن شبابهم يحمل من المواهب والقدرات ما يحتاج فقط للتشجيع عبر الاستثمار في تنميته بشكل يتيح له فرص تحقيق المجد لنفسه ولوطنه، مجد قيمته الكبرى صناعته لإلهام تعيش عليه أجيال المستقبل. فهنيئًا لفرنسا بمنتخبها وهنيئًا للاعبيها بوطن رفع واقعهم من السفح وساندهم ليسكنوا القمم ولا عزاء لمن يجعلون أقصى أحلام شباب أوطانهم مغادرتها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد