هل المبادرة الفرنسية بتعديل الدستور السوري هي نتيجة لعدم توافق الأطياف السورية، وضعفها في تشكيل لجنة دستورية من أجل السير بالمسار السياسي لإنهاء الأزمة السورية؟ أم أنها مبادرة جيوسياسية تعتمد على ما بعد الانسحاب الأمريكي في الصراع السوري؟

من أهم المحادثات بين الأطراف السورية والدولية بشأن تعديل الدستوري السوري، «محادثات فيينا للسلام في سوريا» التي بدأت في نوفمبر (تشرين الثاني) 2015، إذ اجتمعت 17 دولة من بينهم الدول الفاعلة في سورية (أمريكيا، روسيا، السعودية، وتركيا، وإيران، إلخ) في العاصمة النمساوية فيينا لوضع مسار سياسي للقضية السورية، أهم ما جاء في هذه المحادثات، موافقة المشاركين على الطلب من الأمم المتحدة لدعوة النظام السوري والمعارضة للبدء في «عملية سياسية ينتج عنها حكومة سورية من الطرفين، ومن ثم وضع دستور وإجراء انتخابات رئاسية»، إذ يحق لكل السوريين داخل سوريا وخارجها المشاركة في الانتخابات الرئاسية التي ستكون تحت إشراف الأمم المتحدة.

وغير أن هذه الاجتماعات تعقبها مؤتمرات ومباحثات أخرى، حتى مجيء مؤتمر سوتشي أو «مؤتمر الحوار الوطني السوري» الذي رعته روسيا في 30 يناير (كانون الثاني) 2018، بهدف إيجاد حل سياسي في سوريا، كان أبرز ما جاء فيه، الاتفاق على تأسيس لجنة لإعادة كتابة الدستور السوري، وإجراء انتخابات ديمقراطية. بغرض صياغة إصلاح دستوري يساهم في التسوية السياسية التي ترعاها الأمم المتحدة، وفقًا لقرار مجلس الأمن الدولي 2254. والجدير بالذكر لهذا المؤتمر وجود مقاطعين من أهمهم الهيئة العليا للمفاوضات، أمريكا وبريطانيا، وفرنسا التي قالت إن حل الأزمة السورية يجب أن يكون برعاية أممية لا براعية روسية.

بعد أربعة أعوام من فشل إنشاء لجنة دستورية للمعارضة توافق عليها جميع الشخصيات والهيئات والأحزاب السورية المعارضة، وفي ضوء قرار دونالد ترامب بانسحاب القوات الأمريكية من سوريا دون التنسيق مع الدول الفاعلة في سورية، وخاصة فرنسا التي تعد حليفة لأمريكا في المنطقة، فقد بدأت تتشكل أعباء كبيرة لوجود فرنسا في سوريا مما أدى لاتخاذ استراتيجية سياسية عسكرية بعيدة المدى، بعد إقناع واشنطن بالتراجع عن قرارها من قبل باريس.

وفي هذا الإطار، تشارك فرنسا في قوى التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الإسلامية، بالتعاون وبالاعتماد على قواعد عسكرية تُشرف عليها وتحميها القوات الأمريكية في المنطقة. وبخصوص انسحاب القوات الأمريكية من سوريا، قالت وزيرة الشؤون الأوروبية الفرنسية ناتالي لوازو، «إن بلادها ستحافظ على وجودها العسكري في سوريا». ولكن هل فرنسا قادرة على تحمل أعباء انسحاب القوات الأمريكية من سوريا؟

بحسب وكالة «الأناضول»، فإن تعداد القوات الفرنسية في سوريا هو 200 عنصر موجودين في مناطق سيطرة «ي ب ك/ بي كا كا» شرقي سوريا، ومعظمهم يتمركزون في قواعد عسكرية أمريكية. والجدير بالذكر عدم قدرة القوات الفرنسية في الظرف الراهن على مساعدة ودعم ال «ي ب ك» بسبب قلة أعدادهم وتوزيعهم على عدة وحدات، غير أنهم قد ساعدوهم في معاركهم السابقة وخاصة في تحرير آخر معاقل داعش في محافظة دير الزور. في حين يشرف الأمريكيون على أربعة مواقع من أصل تسعة مواقع توجد فيها القوات الفرنسية، وتعتمد هذه الأخيرة على تحرك القوات الأمريكية في المنطقة وعلى حماية عناصر «ي ب ك» لها.

وفي سياق جديد، كشفت صحيفة «الشرق الأوسط» اتصالات رفيعة المستوى قد جرت بين فرنسا وروسيا لإعادة النظر مرة أخرى في تفعيل المسار السياسي السوري عبر المدخل الدستوري. إذ أوضحت الصحيفة بأن المقترح الفرنسي قائم على تخلي الفاعلين الدوليين عن تشكيل اللجنة الدستورية السورية، التي يعول عليها لإنشاء دستور جديد للبلاد، واستبدالها بتعديل دستوري للدستور القائم تتعلق بخمس أو ست نقاط خلافية متعلقة بصلاحيات الرئيس، واستقلالية القضاء، وبعض مؤسسات الدولة، والعلاقة مع المؤسسات الأمنية، تأتي هذه الخطوة بسبب التعقيد البالغ، وعدم اكتمال اللجنة الدستورية السورية إلى الآن.

وتابعت الصحيفة، هذه التعديلات يجب أن يجري التفاوض عليها برعاية دولية للوصول إلى دستور معدل، بدلاً من إضاعة الوقت في صياغة دستور جديد. وأما المرحلة اللاحقة هي التوجه إلى انتخابات جديدة نزيهة، تشرف عليها الأمم المتحدة التي تملك الخبرة في هذا المجال. وأضافت الصحيفة بأن موسكو وافقت على المبادرة الفرنسية، في حين أن النظام السوري وافق عليه شرط اقتصار الانتخابات على الداخل السوري فقط، وهذا يعيق المساعي الغربية الرامية في تحقيق انتخابات نزيهة، يستطيع السوريون خارج سوريا بالإدلاء بأصواتهم في عملية تقرير مصير بلادهم.

وفي تعليق للناطق الرسمي باسم هيئة التفاوض يحيى العريضي في صحيفة العربي 21، جاء فيه «لا نعرف مدى دقة التسريبات هذه، وهي بالمجمل عبارة عن قفز مباشر إلى تعديلات دستورية متعلقة بصلاحيات منصب الرئاسة»، مستدركًا «الاحتمالات تبقى مفتوحة». ويتابع «روسيا ليست مُغرمة بحل سياسي حقيقي يعيد سوريا إلى الحياة، علمًا بأنها هي صاحبة فكرة (اللجنة الدستورية) التي انطلقت خلال مؤتمر سوتشي في العام الماضي».

وأخيرًا، يرى الناطق الرسمي باسم هيئة التفاوض السورية، أنه عندما وجدت روسيا اللجنة الدستورية قد تشكل بوابة لحل سياسي في سوريا، أصبحت تهتم بفكرة إفشال عملية المسار السياسي؛ لضمان استمرار المنظومة الاستبدادية من قبل النظام السوري وحلفائه.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد