فازت فرنسا قبل أيام قليلة بكأس العالم التي أقيمت بروسيا بتشكيلة مدجّجة بالنجوم؛ حيث اعتبرت الأغلى في السوق حسب تصنيفات المهتمّين، وككلّ دورة تكون تشكيلة الديكة من المنتخبات المرشّحة للفوز بالتاج العالمي نظير ما تملكه من لاعبين كبار يلعبون في كبرى الأندية الأوروبية، ولكنّ المتتبّع لأخبار المنتخب الفرنسي وخباياه يدرك جيّدا مدى اعتماد فرنسا على لاعبين أجانب في بناء منتخباتها، وقليلًا ما تتوفّر لديها أسماء من أبناء جلدتها، حيث في كلّ مرة تشارك بلاعبين ليسوا من أصول فرنسية، وهو ما يجعل الكثيرين يرون أن فرنسا ليست أهلًا للّعبة الأكثر شعبية في العالم، وأبناؤها ليسوا أهلًا لها إطلاقًا.

حيث لعب المنتخب الفرنسي في هذه الدورة بلاعبين اثنين فقط من أبنائها الأصليين، وهما بينجامين بافارد، والاحتياطي فلوريان توفين، أمّا اللّاعبون الآخرون (21 لاعبًا) فليسوا من أصول فرنسية، وهم الحارس الأوّل وقائد المنتخب هوغو لوريس (إسبانيا)، والحارس الثاني ألفونس أريولا (الفلبين)، والحارس الثالث ستيف ماندندا (الكونغو الديمقراطية).

وضمّ أيضًا من (الكونغو الديمقراطية) كلًّا من ستيفان نزونزي وبريسنل كيمبيبي، ولاعبين من (الكاميرون)، وهما صامويل أومتيتي والنجم الشاب كيليان مبابي، هذا الأخير من أب (كاميروني) يعمل مدرّبا للفئات الصغرى في منطقته بذات اللّعبة، وأمّ (جزائرية) تسمى فايزة لعماري كانت لاعبة كرة اليد في أندية فرنسا، وضمّت أيضًا لاعبين من (السنغال)، وهما جبريل سيدبيه وبينجامين ميندي، ولاعبين من (مالي)، وهما نغولو كانتي وعثمان ديمبيلي، هذا الأخير أيضًا من أمّ (موريتانية)، كما ضمّت القائمة لوكاس هيرنانديز (إسبانيا) والذي اختار شقيقه تيو هيرنانديز اللعب للمنتخب الإسباني، ولاعبين عربيان، وهما عادل رامي (المغرب)، ونبيل فقير (الجزائر).

وحملت القائمة أسماء كلٍّ من نجم المنتخب أنطوان غريزمان (البرتغال)، وكورنتين توليسو (التوغو)، وبول بوغبا (غينيا)، وبليز ماتويدي (أنغولا)ـ، ورافائيل فاران (جزيرة مارتنيك)، وتوماس ليمار  (جزيرة جواديلوب).

هذا وتلعب هذه الأسماء المجنّسة فرنسيا والأجنبية الأصل تحت قيادة مدرّب من أصل أجنبي هو الآخر، وهو ديدي ديشان الذي تعود أصوله لإقليم الباسك من إسبانيا.

وقد يستغرب البعض من القول بأن فرنسا ليست بلد كرة القدم، وهي الفائزة بكأس العالم مرّتين، ولكن لا يجب أن ننسى أنّه حتّى تاجها العالمي الأوّل الذي فازت به عام 1998 كان على أرضها وأمام جمهورها، وبتشكيلة هي الأخرى غالبيتها ليست من أصول فرنسية، حيث شارك في النهائي ضد البرازيل آنذاك تسعة لاعبين من أصول أجنبية بين أساسي واحتياطي، وهم المدافع بيكسانت ليزارازو (إسبانيا) من بلاد الباسك، ومارسال ديسايي (غانا)، وليليان تورام (غوادلوب)، وكارومبو (كاليدونيا الجديدة) وبوغوسيان (أرمينيا)، ونجم المنتخب انذاك زين الدين زيدان (الجزائر)، وجوركاييف (الروسي الأب والأرميني الأم)، وباتريك فييرا (السنغال)، والمهاجم دافيد تريزيغي (الأرجنتين)، وحتى لاعب المنتخب الحالي الذي شارك في ذلك اللقاء ديديي ديشان من أصل باسكي إسباني، وروبيرت بيريس (إسبانيا)، والمهاجمان الكبيران آنذاك تيري هنري ونيكولاس، أنيلكا هما من (الكاميرون).

ولم تملك فرنسا من لاعبين فرنسيين أحرزوا تلك الكأس سوى الحارس بارتيز، ولوبوف، وبيتي وغيفارش، وقد صرّح في ذلك الوقت رئيس الجبهة الوطنية جون ماري لوبان بقوله: على الفرنسيين أن لا يفرحوا بتاج عالمي أحرزه لهم الأجانب من سود، وسمر، وبيض.

كما أنّ المنتخب الفرنسي تعّود على المشاركة بلاعبين ليسوا من طينة فرنسية خالصة في أغلب المحافل العالمية والقارية، حيث حمل ألوان الدّيكة في السنوات السابقة عدّة لاعبين أجانب بارزين مثّلوا فرنسا في أكثر من مناسبة كروية أمثال خط الارتكاز الشهير كلود ماكيللي (الزائير)، والظهير الأيسر ويليام جالاس (جزيرة جواديلوب)… إلخ وفي السنوات الأخيرة باتريس إيفرا (السنغال)، وموسى سيسوكو (مالي)، وكريم بن زيمة وسمير ناصري (الجزائر)، وحاتم بن عرفة (تونس)، والمدافع السابق إيريك أبيدال (جزيرة مارتينيك).

والأكثر من هذا فإنّه حتى أفضل لاعب أوروبي الذي يتباهى به الشّعب الفرنسي عامّة ليس من أصول فرنسية، وهو ميشال بلاتيني الذي تعود أصوله لإيطاليا، وكذلك الأسطورة الثاني بعد بلاتيني الذي يتباهى به كل الفرنسيين، وهو صاحب الرقم القياسي في عدد الأهداف المسجّلة في دورة واحدة من كأس العالم، بثلاثة عشر هدفًا، وكان هذا في دورة السويد عام 1958، ومازال هذا الرّقم صامدًا إلى اليوم، وهو اللاّعب جوست فونتين، هذا الأخير من مواليد مدينة مراكش المغربية من أب فرنسي، وأمّ إسبانية كانا مستقرّين هناك لمّا كانت المغرب مستعمرة فرنسية.

وقد يدافع البعض عن الكرة الفرنسية بالقول إنّ فرنسا هي من لها الفضل في تكوين هؤلاء في مدارسها وجعلتهم نجوما فكانت هي الأولى بهم من بلدانهم، ولكن هنا يجب أن نطرح السؤال التالي: لماذ لا تكّون لاعبين من أبناء جلدتها (من أصول فرنسية)؟

الجواب بسيط وواضح في رأيي وهو أنّ أبناء فرنسا ليسوا أهلاّ لكرة القدم ولا يملكون منتخبًا ولا تاريخًا في هذه اللّعبة بحجم دولة اسمها فرنسا كاسم ألمانيا أو إيطاليا أو إسبانيا… إلخ.

للتذكير بأنّ فرنسا فازت بكأس العالم الأخيرة في طبعتها 21 التي أقيمت على الأراضي الروسية في نهائي مثير ضد كرواتيا، وبطريقة أثارت الكثير من الجدل، حيث الهدف الأوّل كان من تسلّل واضح، بل من كرة ثابتة نتيجة مخالفة مشكوك فيها، ثم بهدف ثان بمساعدة تقنية الفيديو التي أثارت الجدل الكبير هي الأخرى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!