حين قرأت بعض كتب التاريخ الجزائري المختصرة أعجبت بتاريخ هذا البلد الحافل بالتضحيات والكفاح، فمنذ غزو فرنسا الجزائر سنة 1830 لم تضع الحرب أوزارها؛ الحقيقة التي لم تُغفل ولم تُهمل طبيعة هذه الحرب كانت شرسة مع قلة عُدة الجيش الجزائري وعدده، فالجيش الفرنسي كان أقوى في العدة والعتاد، وأكثر في الجند والأعداد.

والتاريخ كما قال ابن خلدون: محتاج إلى مآخذ متعددة، ومعارف متنوعة، وحسن نظر وتثبت يفضيان بصاحبهما إلى الحق، وينكبان به عن المزلات والمغالط؛ لأن الأخبار إذا اعتمد فيها على مجرد النقل، ولم تحكم أصول العادة وقواعد السياسة وطبيعة العمران والأحوال في الاجتماع الإنساني، ولا قيس الغائب منها بالشاهد والحاضر بالذاهب؛ فربما لم يؤمن فيها من العثور ومزلة القدم والحيد عن جادة الصدق‏.‏

لذلك لم أقرر ما في ذكر بعض المختصرات من عدد القوات الجزائرية 50 ألف مقاتل، وهذا مخالف لأصول العادة وقواعد السياسة كما ذكر ابن خلدون. وهو ما يعني أنّ عدد الجنود الجزائريين أكثر من الجنود الفرنسيين بـ20 ألفًا وهذا مخالف كما ذكرنا للشواهد وللقياس.

وأنا منذ زمن بعيد مولوع بتاريخ هذا البلد، والكتابة في تاريخه أعتبرها من المشرفات التي يتشرف بها الكاتب، ويتزين بها المؤلف. لذلك جمعت باختصار التسلسل الزمني لأشهر الوقائع والأحداث منذ غزو فرنسا الجزائر إلى المقاومات الشعبية. 

وقدمت المقالة بشريط وثائقي رائع عن قصر الداي والمدينة القديمة للجزائر العاصمة وقلاعها، حتى يكون للقارئ الكريم صورة ونظرة أولية خاطفة قبل قراءة المقال.

الحصار على السواحل الجزائرية

من ذلك في يوم 16 يونيو (حزيران) 1827 ضرب على السواحل الجزائرية حصار بحري دام ثلاث سنوات.

وفي 30 يناير (كانون الثاني) 1830 عقد مجلس الوزراء الفرنسي جلسة قرر فيها بعد دراسة استغرقت أربع ساعات، القيام بحملة ضد الجزائر. وفي 7 فبراير (شباط) أقر الملك شارل العاشر مشروع الحملة وأصدر مرسومًا ملكيًّا بتعيين الكونت دي بورمون قائدًا عامًّا للحملة والأميرال دوبيرى قائدًا للأسطول. وقد بدأت الاستعدادات الحثيثة لتنفيذ المشروع.

كانت قوة الاستطلاع التي يقودها المارشال دي بورمونت قد بلغت 37 ألف رجل، منهم 31 ألفًا من المشاة أقلعوا من تولون على 675 سفينة بإحكام مدة أربعة أشهر. في 14 يونيو 1830.

بداية عمليات الإنزال في سيدي فرج

ونزلت الدفعة الأولى من الجنود في شبه جزيرة سيدي فرج غربي مدينة الجزائر يوم 13 من الشهر نفسه، واستولوا على المدفعية التي كانت منصوبة، ووزعوا قطع أسطولهم على طول ساحل الخليجين حولها، وأقاموا معسكرات خارج شبه الجزيرة، ونصبوا المدافع على طول الخط للطريق المؤدي إلى العاصمة، وتجمعت السفن الحربية وراء هذا الخط لتحميه وترد على كل هجوم متوقع من البر أو البحر، في انتظار وصول بقية القوات التي ما تزال في عرض البحر .

وكان على الغزاة أن يواجهوا جنودًا وخيالة من كل أنحاء الأيالة الجزائرية. فقد أرسل البايات الثلاثة أفضل ما عندهم من جنود، وانضمت القبائل إلى الحرب.

معركة سطاولي

واحتشد في مواجهة الغزاة «بسطاولي خمسة كم إلى شرق سيدي فرج» أكثر من 50 ألف مقاتل جزائري من الأتراك والكراغلة والزواوة «القبائل» والعرب والمزابيين.

وبعد خمسة أيام من المعارك دخلت القوات الفرنسية الجزائر العاصمة، بعد قتال عنيف وخسائر فادحة تكبدها الجانبان.

شرطت القوات الفرنسية على الداي تسليم العاصمة مقابل ضمان حرية وسلامة الداي وثروته، والسماح له بالذهاب حيث شاء، واحترام الديانة الإسلامية، وحريات السكان وأملاكهم وتجارتهم وحرفهم ونسائهم.

وقبل الداي الشروط، ووقع وثيقة الاستسلام يوم 5 يوليو (تموز) 1830، وذهب إلى نابولي بإطاليا بعدما رفض البريطانيون السماح له باللجوء إلى مالطة.

 

دخل الفرنسيون مدينة الجزائر في ذلك اليوم، وقاموا يوم 15 يوليو الموالي بعمليات سلب ونهب وحرق وتقتيل، ورحّلوا الأتراك منها يوم 20 يوليو إلى إزمير.

لكن سقوط مدينة الجزائر بتلك السهولة لم يؤد إلى خضوع البلاد، وإنما دفعها إلى السير في اتجاهين متوازيين: اتجاه الفرنسة والإلحاق الذي تبنته السلطات الاستعمارية، واتجاه المقاومة والجهاد الذي التزم به الشعب الجزائري واستمات فيه.

وباختصار فإن الجيش الفرنسي وجد نفسه في واقع الأمر لا يكاد يسيطر إلا على قطعة الأرض التي يسيطر عليها. فقد أصبحت المدن والأرياف مسرحًا لثورة مزمنة خلال 10 سنوات أو تزيد.

استمرت المقاومة بعد سقوط مدينة الجزائر في غرب القطر الجزائري بقيادة حسن باي وهران إلى أواخر 1833، وفي شرق القطر بقيادة باي قسنطينة إلى سنة 1837.

المقاومات الشعبية

وبدأ النوع الثاني من المقاومة عندما بايعت قبائل منطقة وهران في غرب الجزائر في صيف 1832 الأمير عبد القادر بن محيي الدين؛ ليقودها في الجهاد ضد الفرنسيين، فقادها في حركة مقاومة استمرت إلى سنة 1844.

وقد سيطر عبد القادر على ثلثي أراضي الجزائر متخذًا من مدينة معسكر عاصمة له، وأنشأ فيها مصانع حربية أيضًا، واستطاع أن يحصر المستعمر الفرنسي على الساحل غير قادر على التوغل إلى عمق البلاد، مما ألجأ هذا الأخير إلى سياسة المكر والمفاوضة، فعقد مع الأمير عبد القادر معاهدتين: واحدة سنة 1834، وثانية سنة 1837، تمكن بينهما الجنرال كلوزل من احتلال مدينة معسكر.

ولما عاد القتال بعد المعاهدة الثانية في سنة 1839 اضطر الأمير إلى الانسحاب إلى المغرب الأقصى للاستنجاد بسلطانه. لكن الفرنسيين أجبروا هذا الأخير على عقد صلح معهم سنة 1844 التزم بموجبه بإجلاء الأمير عبد القادر، الأمر الذي هيأ لاستسلامه سنة 1845، وأسره فبقي في الأسر حتى 1883.

ثم في سنة 1864 إلى 1880 ظهرت مقاومة أولاد سيدي الشيخ بواحة البيض وجبل عمور ومنطقة التيطري، وسور الغزلان والعذاورة وتيارت بقيادة كل من: سليمان بن حمزة، وأحمد بن حمزة، سوي لتعلي.

وفي سنة 1881 إلى 1883 ظهرت مقاومة الشيخ بوعمامة، وشملت: عين الصفراء، وتيارت، وسعيدة، وعين صالح.

ثم إلى هنا قد انتهيت، وتم باختصار ما جمعت، سميته رافع الأستار عما ورد في غزو فرنسا للجزائر من أخبار، والحمد لله على انتهائي كما ذكره في ابتدائي، متلفظـًا بالبسملة لا بالخط كي أكتملَ.

ـ

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

The Barbary Coast (كتاب وولف، جون ب) سعد الله
عرض التعليقات
تحميل المزيد