تزداد حدة التوتر بين الحكومة التركية والحكومة الفرنسية يومًا بعد يوم، ولا تكاد تنتهى بينهما مناوشة لفظية إلا ويتبعها أخرى، فبعد الانتقادات الشديدة التي وجهها الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، لنظيره الفرنسي، إيمانويل ماكرون، ووصفه إياه «بأنه في حالة موت دماغي» على حد تعبيره، دعا الرئيس التركي لمقاطعة المنتجات الفرنسية على إثر إساءة الرئيس الفرنسي للدين الإسلامي، وقال في خطاب له: «إن ماكرون بحاجة لدواء عقلي»، وهكذا هو الحال بينهما دائمًا، مناوشات لفظية، وصراعات سياسية، وخلافات لا تنتهي، واستدعاء لسفير البلد الأخرى من كلا الجانبين، والأشد والأنكى الإهانات الدائمة بين رئيسي الدولتين.

فهل ينظر المواطن التركي إلى فرنسا بنظرة الرئيس التركي أردوغان نفسها إلى الرئيس الفرنسي؟!

عرف الأتراك أوروبا عن طريق فرنسا، حتى قيل إن الأتراك كانوا يدعون الأوروبي بـ«الفرنسي»، والعلاقات بين البلدين قديمة جدًّا، فلقد تأثر الفرنسيس كثيرًا بالعمارة العثمانية، وبنت الملكة الفرنسية الشهيرة، ماري أنطوانيت، غرفتها التركية الخاصة في «شاتو دي فونتينبلو» بالشكل والأسلوب الأوروبيين، لكن باستخدام الزخارف والأنماط العثمانية بكثافة، ثم ازدادت العلاقات الثقافية بين البلدين في القرن الثامن عشر الميلادي، وتأثر بهم الأتراك؛ إذ إن الكلمات الفرنسية جاءت في المرتبة الثانية بعد العربية من ناحية الكلمات الأجنبية المستخدمة في اللغة التركية، والتي يصل عددها إلى 5253 كلمة فرنسية مقتبسة، ولكن هناك رأي آخر للأتراك في أمثالهم عن فرنسا.

يستخدم الأتراك اليوم جملة «fransız kalmak _ البقاء فرنسيًّا» لمن يروا منه غباء شديدًا، أو جهلًا بموضوع مشهور، أو يرونه يتعامل بشكل غير متحضر مع الناس، أو يستخدمون هذا المثل كما يستخدم المصريون المثل الشعبي المشهور «زي الأطرش في الزفة»، وهذه الجملة تسمعها في تركيا من خاصة الناس وعوامهم على حد سواء، فلو رأى البقال التركي منك تصرفًا غبيًّا لبادرك بالسؤال هل أنت فرنسي؟! وصديقك في الجامعة إن لم يستطع أن يفهم شيئًا من الدكتور في المحاضرة يقول لك لقد كنت فرنسيًّا (fransız kaldım)، ويعني بذلك أنه لم يفهم شيئًا وكأنه لم يكن موجودًا، تجد هذا إلى الحد الذي يجعل من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يستخدم هذه الجملة مسبقًا وهو في زيارة للبرلمان الفرنسي عندما كان رئيسًا للوزراء وهو يخاطب أحد البرلمانيات قائلًا لها: «معلوماتك في حق تركيا يجعلك فرنسية».

وربما يتساءل البعض عن مصدر هذه الجملة، فقد كتب الكاتب الصحافي التركي ناظم جوفانتش_nazım güvenç أن أصل هذه الجملة يرجع إلى السياسي التركي الكبير الدكتور Hikmet Kıvılcımlı_حكمت كفلجملي عندما كان يشرح المصادر الثلاثة للماركسية، فوصف الذين لم يفهموا النظرية وأهملوها بـ«التحدث بالفرنسية».

والحقيقة ليس الأتراك فقط من يستخدمون هذه الجملة، فالبريطانيون أيضًا يقولون لمن يرتكب خطأ، أو يظهر منه غباء، أو لم يكن بقدر الذكاء الذي توقعوه «إنك فرنسي أيضًا»، أو باللهجة العامية المصرية «أما أنت طلعت فرنسي بصحيح»، وقد ذكر هذا الكلام بكل صراحة البارون والروائية المشهورة emmushka orczy_إيما أورتشي في روايتها «the scarlet pimpernel» التي تتحدث عن الثورة الفرنسية عام 1789م.

فماذا فعل الفرنسيس حتى يكون هذا موضعهم في الأمثال الشعبية لدى الأمم؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد