لو شاء الله أن يخلقنا بلا آمال، بلا توقُّعات، أو بجهاز عصبي مطاطي يواجه الصدمات بكل مرونة، أقول لو شاء الله هذا لكان، لكن الله قدَّر لنا غريزيًا أن نحب أنفسنا ونحب آخرين من حولِنا ونحب الحياة، وأن نتعلَّق بكل ما نحب، ومن ثم نأمل ونتوقَّع ونُصاب بمرَض الطمأنينة أحيانًا كثيرة.

ما حدث أمس في فرنسا أفزع العالم كله، باريس الحلم الأجمل لكثيرين حول العالم تتحوَّل فجأة إلى شبه مستوطنة إرهابية تُنفَّذ فيها عمليات التفجير والقتل ببساطة، فنسمع عن ضحايا تتجاوز أعدادهم المئة والخمسين من الموتى، وعدد أكبر من المصابين، من لم يفزع مما حدث أمس عليه أن يطمئن تمامًا فلن يواجه في حياته ما يؤرِّقه لأنه لا شيء يؤرِّق الأموات، أما نحن المفزوعين الحزانى على وجودنا في عالم طغى القبح به على كل شيء، فعلينا أن نعيد النظر لحياتِنا بأكملها.

كُل ما فكَّرت به حين عرفت عن ذلك الحادث المأساوي، أولئك الأبرياء الذين قُتلوا فجأة وبدون أي مُقدِّمات، أتخيَّل الرجل منهم يرتدي بذلة أنيقة وترتدي زوجته فستانًا للسهرة ذاهبين للمسرح بأيادٍ متشابكة، كل ما يفكرِّون به المُتعة المنتظَرة، أصدقاءهم المنتظرين في المسرح، الموسيقى التي سيستمعون إليها، الأكيد أنه لم يخطر للرجل وهو يضبط رابطة عنقه أمام المرآة أن ثمة احتمالًا صغيرًا أن يُقتل هو وزوجته في المسرح، الأكيد أنه لم يخطر للزوجة وهي تضع ( الآي لاينر) أنها في خلال ساعات قليلة لن ترى شيئًا بعد، وقِس على هذا كل الأبرياء المقتولين غدرًا أمس، بعضهم يتناول البيتزا في مطعم مع أصدقائه، بعضهم يشاهد مباراة في الإستاد، بعضهم يسير في الشارع عائدًا إلى المنزل أو ذاهبًا للتسوق، المُهم أن ما حدث أمس يبدو خطأً فادحًا في العالم، اتَّسع فم العالم وأخذ يبتلع الأبرياء بشراهة غير مسبوقة.

لابد هُنا أن نضع في اعتبارنا أشياءً كثيرة، لا تقِس أفكارك بأفكار العالم بالخارج أبدًا، أنت هُنا بالفعل مُعرض للموت يوميًا، مُعرَّض للاعتقال الفوري لمجرد وجود كمين في أول الشارع ربما يشتبه بك، مُعرَّض للإهانة والتعدي عليك من ضابط المرور لأن ردَّك عليه لم يمنح نرجسيته مزيدًا من العظمة، معرضٌ لأن تختطف ليلة زفافك من جانب عروسك لأنك بالطبع مُجرم هارب من مدة وتحاول التخَفِّي في زي العريس، هُنا الاحتمالات كلها واردة، فن السخرية ينحدر جدًا لأنها أصبحت محصورة في عَرض الواقع، وبالطبع أصبح كل شيء ساخرًا مثيرًا للضحك والاشمئزاز في آنٍ واحد، إلى ما قبل الأمس كُنَّا نشعر أننا وحدنا، ونتمنى الخلاص منه إلى أجزاء أفضل في العالم، مثل ماذا؟ بالطبع مثل أوروبا وتحديدًا باريس الفرنسية عاصمة الجمال والرقي في العالم.

 

الآن أشعر أني حُبِست بين جدرانٍ أربعة، لا سبيل للخلاص، لو كان حقق لي الله أمنيتي بالعيش في باريس منذ أعوام كان من الممكن أن أكون مقتولًا الآن، إذن هي نفس الاحتمالات، الكوكَب أًصبح ضيِّقًا جدًا، مليئًا بالقُبح، مُشوَّهًا ومُشوِّهًا، كم كُنت أشعر بالاطمئنان بوجود عالم آخر بعيد، فيه أناس أسوياء يعيشون حياة أفضل، وكنت أتمنى أن أعيش معهم يومًا ما ضيفًا خفيفًا على بلادهم لعلَّني أشعر بقيمتي الإنسانية التي لم أشعر بها يومًا في بلدي، لكن الآن عليّ أن أعيد النظر للعالم وربما لحياتي بأكملِها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد