طيب، من فضلكم! هَلاَّ تجردنا لوهلة من الخطاب الهوياتي الإثني، ومن الفكر الأُدْلُوجِيِّ الراديكالي المتعصب للغة العربية، ولنتحلى بجبة الموضوعية ونقر أن لغة الأمة كما يصفها الودغيري قد أبانت حقًا عن «شبه قصور» في مواكبة التغيرات المتسارعة الحاصلة في العالم المعرفي الصرف بكل أقطار المعمور، سيما العلوم الحقة والتقنية، وذلك مردهُ إلى النقص الحاصل في الترجمة بالبلاد العربية، ولا ننكر طبعًا وجود ثلة من الاستثناءات المحتشمة في بعض الدول الثالوثية.

حتمًا، إنه من الصعب بمكان أن يعترفَ كل الأكاديميين بذلك، بل هم يشهرون ألسنتهم وأفكارهم وكل ما أوتوا من معرفة تاريخية وبلاغية ونحوية للدفاع باستماتة عن عراقة وغنى اللغة العربية، ليس باعتبارها اللغة المشرعنة بالمغرب، وإنما لكونها لغة الخطاب القرآني المنزل من عند الله، إنها بهذا تكتسي صفة القداسة وبدون منازع، وهذا تحديدًا ما يحتجُّ عليه دعاة التدريس بالفرنسية والدارجة.

إن هذا اللغط والفوضى اللغويين، لن يفيدا التعليم المغربي في شيء ما دام ثمة غياب دراسات علمية رصينة مقطوع بها تبين حقيقةً أن تدريس العلوم باللغة العربية هو السبب الرئيس في تعثر عجلة المدرسة العمومية المغربية وتأزيم أوضاعها، وقد لاحظنا جميعًا رحمكم الله أن الأمر لا يعدو كونه مبررات انطباعية واهية لفرنسة التعليم، يدعمها من الوراء اللوبي الفرنسي صريحًا والجمهورية الفرنسية ضمنيًا، توسلًا بالنخب الفرنكفونية المغربية المنبثقة عن البعثات الأجنبية، فضلًا عن الساسة الانتهازيين الذين ليست لهم غيرة واضحة المعالم على أبناء البلد، تتبلورُ في أفكار إستراتيجية للنهوض بالمدرسة المغربية التي ما زالت تتخبط في المشاكل ولربما «الأزمات» إن بقيت على هذا الوضع، إن الأمر شبيه بفلتات مرتجلة تنم عن رنو الفكر الاستعماري Pensée coloniale إلى البقاء على قيد الحياة بكل ما تتاح له من وسائل، حسب تقدير الدكتور مصطفى محمد القباج.

إن الإشكال الحارق ليس بتلك البساطة كما تُبينه الغوغائية السائدة، بل هو رهينٌ أساسًا بامتلاك ناصية اللغة الفرنسية، التي لا يتقنها الحفاةُ والمستضعفون من أبناء الشعب، الذين وجدوا أنفسهم في البوادي والقرى والأحياء الشعبية الرثة وأحواز المدن، إنهم غَدَوا الآن إزاءَ معضلة بامتياز تصبو إلى ضرب شرخ خانق بين أبناء المغاربة الفقراء من جهة، وأبناء الأغنياءِ ذَوِي «السيادة» الفكرية من جهة ثانية!

قد يكون فرض التعليم باللغة المولييرية على أبناء الشعب المغربي البسطاء، وبهذه الطريقة الارتجالية، في وجهة نظري، شبيهًا ببث مادة مسرطنة في جسد يفتقد إلى مناعةٍ قد تنجيه من مصير مسدود الأفق ومجهول، ذلك أنه من المُسلَّمِ به أن فئة عريضة من أبناء المغاربة ينشأون في أوساط تدور في فلك الجهل والأمية وقلة الحاجة، وهنا نجد أنفسنا أمام سؤالٍ جد وجيه: هل يا ترى ستكون الأطر التربوية التي ستعهد إليها مهمة «التلقين» باللغة الفرنسية، قادرةً بالفعل لوحدها على سد كل الثغرات التعليمية لدى تلاميذٍ لا يستوعبون حتى ما يحلقُ حول مسامعهم ويظل بعيدًا عن أفهامهم؟ أيعقل أن تفرض الفرنسية في ظل غياب الأطر والمناهج؟ أولسنا أمام أزمة جديدة وأجمل بكثير من سابقاتها؟

والأدهى والأمرُّ هو أنْ نرى أنَّ السياسية اللغوية للتعليم، أفرغت من المصلحة العامة، وأدخلت في غياهب معركة ضارية كُللت بأدلجة النقاش حول اللغة، إننا قد ندعمُ الطرح القائل بأنَّ فرنسةَ التعليمِ ضربٌ في الهويةِ الوطنيةِ والدستورِ المتوافقِ على مقتضياتهِ، بيد أننا نعضدُ أن المسألةَ لها ارتباطٌ وطيدٌ بـ«فْرَنكَفَنَةِ» التفكير، التي تتغذى من هواجسِ التبعيةِ الثقافيةِ والاقتصاديةِ والجيوسياسيةِ للمركز فرنسا، والسعي نحو احتلال المناصب الفخمة في الدولة والاقتراب من سُدَّةِ الحكم، إنها دوغمائية «الجالية المغربية المقيمة بالمغرب» التي تحاول أن تكرس الفوارق الطبقية من خلال إعلاءِ شأن الفرنكفونية، والتصدي الصريح للهوية العربية، لأنهم ينظرون إليها كسببٍ مفصليٍّ يكمنُ وراء التخلف والانحطاط واجترار فشل التعليم المغربي.

وعليه، نحنُ قطعًا لا يمكن أن نكون ضد الانفتاح على اللغات الأجنبية الحية، لأن في امتلاكها رأسمال إضافي للتلميذ المغربي، كما يقول نورالدين مفتاح، كما أننا لا نتوارى خلف الحقيقة، ونقر بأننا ضد فرنسة التعليم وسط هذه البلقنة السياسية الفرونكفونية التي لن تزيد التعليم إلا ضعفًا هيكليًا، ولا نزكي هذا الطرح بمنأى عن دراسات وأبحاث علمية، وفي غياب الشروط المادية والإدارية، حيث إن الأمر سيكون بمثابة «فْرَنكَفَنَةٍ» للعقول وسبل التفكير أكثر منه إصلاح للمدرسة المغربية… فكفى!

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد