الأمازيغ حجةً..

يقول المستشرق الفرنسي، جودفروي ديموبين، وهو أحد المنظِّرين لاستعمار المغرب العربي: «يجب أن تُسخَّر كل الوسائل التي تحت سلطتنا لمقاومة زحف العربية والإسلام، وإنه من الخطورة فعلًا أن نترك من غير مقاومة قيام كتلة ملتحمة من الأهالي ذات لغة ومؤسسات واحدة».

الآن، وبعد الخروج الاستعماري التقليدي الفرنسي من الأرض الجزائرية، لم تتغير إستراتيجية فرنسا وميكانيزمات سيطرتها وهيمنتها على الجزائر، بعد أن تركت بعض العملاء الذين نشروا الفرنسية على أوسع نطاقٍ ممكنٍ، تحت سياسة لغوية اسمها «الفرنكوفونية»، ونظامنا التعليمي الآن هو ضحية هذه السياسة، سياسة مؤسساتية تجمع الناطقين –كليًّا أو جزئيًّا – بالفرنسية، وأنشأت لنفسها فروعها الكثيرة في الجامعات الفرنكفونية والتعاون الاقتصادي الفرنكوفوني، والتنسيق السياسي الفرنكوفوني، وتعود هذه الفكرة للفرنسي أونسيم ريكلو، وهو جغرافي سعى لتأسيس فكرة لسانية وعلاقة جغرافية، ويرى لومباني أن الفرنكوفونية هوية ثانية للشعوب التي تنتشر فيها الفرنسية، وأنها هوية ضرورية لهذه الشعوب للمحافظة على التنوع الثقافي في وجه هيمنة العولمة الأمريكية، وهناك أمر مهم، وهو أنه لا يمكن حصر الفرنكوفونية في ناحية لغوية-اجتماعية، بل هي مشروع جيوبوليتيكي وسياسي، حتى إن بعض الفرنسيين أطلق عبارة: «الدفاع عن اللغة الفرنسية مسألة تتعلق بالدفاع القومي»؛ حتى إن الفيلسوف سارتر لاحظ كيف ضيقت فرنسا على لغات المستعمرات، وكيف ساهمت في تدمير ثقافتها الخاصة، وهذا بإنشاء نخب تابعة لها، ومن هذا المنظور أصبح للنخب المفرنسة أهمية عددية، إضافةً إلى احتلالها أهم المواقع الحساسة في الدولة والإدارة كالتربية والتعليم، وهم الذين تخرجوا في الجامعات والمدارس العليا التي تدرس الفرنسية، أو زاولوا في جامعات فرنسية، أو بعثات فرنسية، وهؤلاء حملوا معهم هذه اللغة إلى الإدارات والشركات والأعمال.

نأتي الآن لموضوع الأمازيغ وعلاقة الفرنسية بهم: الفرنسية لها وظيفة تمييز الأمازيغ عن العرب، وهذه سياسة قديمة لا تزال تستعملها فرنسا دون أن يدرك بعض رافعي راية «الفرشيطة» هذا الأمر، ففي نص دورية الجنرال ليوطي، نقرأ: «إن العربية عامل من عوامل نشر الإسلام، لأن هذه اللغة يتم تعلمها بواسطة القران بينما تقتضي مصلحتنا أن نطور البربر خارج إطار الإسلام، ومن الناحية اللغوية، علينا أن نعمل على الانتقال مباشرة من البربرية إلى الفرنسية».

من جهة أخرى، لو قلنا إن فرنسا كاحتلال فرنسي الجزائر، ألم يعرب العرب البربر؟ جوابًا على هذا، فإن البربر لم يتعلموا العربية قهرًا وقسرًا كما فعل الاستعمار الفرنسي، بل تعلموها طواعيةً، ويؤكد هذا المؤرخ الجزائري المتبربر العربي عقون، فلا يمكن أن نرد التعريب إلى قدوم قبائل بني هلال وبني سليم، لأن تأثير هذه القبائل كان محدودًا، كذلك يعترف الصافي علي بأن الأمازيغ هم الذين عرَّبوا أنفسهم، وقد جعل هذا خطأً من الأجداد، لذلك يرى بونفور أن انتماء الأمازيغي إلى الدولة العربية الإسلامية وحضارتها هو اختيار ذاتي.

إلى جانب هذا، يرى جوليان أن الأمازيغ لا يشكلون عرقًا مستقلًا، بالمعنى الأنثروبولوجي للكلمة، ولكنهم يشكلون خليطًا إثنيًا، والتحدث عن هوية أمازيغية صرفة، فهذا من باب اللا كائن.

الآن، راية الفرشيطة ليست لها بُعد هوياتي ولغوي وثقافي فقط، بل هي إستراتيجية استعمارية، تفطن لها الجيش الجزائري، لكن «السذج» لا يعون هذا الأمر، كما أنها ليست مطلبًا شعبيًا أصلًا منذ البداية، فالكل خرج من أجل تسوية الأوضاع المعيشية وضمان دولة عدالة، وانتخاب رئيس وزوال العصابة، فجأة وبعد زوال الكيان الموازي استعملت كل الطرق لا لفرض الهوية الأمازيغية بل لفرنسة الجزائر وجعلها حديقة خلفية لها، ولكن السذج مرةً أخرى غافلون، والأدهى والأمر، أن كل هذا في نظرهم مسرحية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد