تكنولوجيا إعلامية تستخدمها داعش مشابهة بشكل كبير لما هو موجود بالأفلام الهوليوودية وأحيانا بالألعاب الإلكترونية بهدف نشر رسائلهم المرعبة، ومن خلال مناقشتنا لهذه القضية في هذا المقال نهدف إلى تسليط الأضواء على أدوات داعش الإعلامية حيث يمكننا تعرية هذه الأدوات وأساليب عملها، ثم يمكننا التعرف على أفضل الأساليب لمواجهة هذه الأفكار الهدامة.

أستحضر هنا تجربة المخرج الأميركي الشهير فرانك كابرا، عندما كلف عام 1941 بتقديم سلسلة من الأفلام الدعائية لدعم جهود الحرب الأمريكية، لكن فرانك كانت لديه معضلة وهي الآلة الدعائية المعادية، فكان على فرانك ابتداءً أن يفهم الأساليب الإعلامية للخصم وأن يعمل ضمن الإمكانات والخبرات المتوفرة لديه، فأنتج سبعة أفلام مرتكزًا على إجابة العديد من الأسئلة، وهي لماذا نقاتل وما هي الأخطار التي يواجهها أبناؤنا على الجبهة وصور الانتصارات القادمة من الميدان، واستخدم نفس الأساليب الإعلامية التي استخدمها أعداء أمريكا، أي أنه استخدم سحرهم ضدهم.

الزمن يعيد نفسه؛ فما يسمى الدولة الإسلامية، وقبلها تنظيم القاعدة، استخدمت أدوات وتقنيات أنتجها الغرب كوسائل دعائية لترويج أفكارهم المدمرة. التنظيم له تواجد واضح على غالبية شبكات التواصل الاجتماعي مثل يوتيوب، تويتر، إنستجرام ووسائل أخرى، العديد من الهواة المتعطشين يقومون بتحميل مقاطع دعم للتنظيم مما يوهم البعض أن له متابعين كثرًا وفي كل مكان.

بعض شرائح الشباب المغرر بهم ويمتلكون خبرة عالية في مجال الإعلام قد انضموا لهذه الآلة، فعمد بعضهم إلى تعديل مقاطع من اللعبة الشهيرة “جي تي إيه” مكتوب عليها “أنتم أنتجتم هذه الألعاب ونحن نفعل بجنودكم في الميدان نفس الشيء، بالإضافة إلى استخدام التنظيم أساليب تصوير وجودة إنتاج تضاهي جودة القنوات الغربية وأفلام هوليوود، وحتى أن طاقمهم الإعلامي اعتمد في بعض الأحيان مفردات هذه القنوات.

وباستخدام أساليب دعائية تظهر وحشية مقاتلي التنظيم، يعمل التنظيم على إدارة حرب نفسية ضد الدول الغربية، لكن من وجهة نظري أن أهم هدفين للمنظومة الإعلامية التابعة للتنظيم هما استفزاز الولايات المتحدة وحلفائها، ومن ثم تجنيد عناصر لصالح التنظيم من خارج الشرق الأوسط، وأعتقد أن التنظيم نجح بشكل ملحوظ في تحقيق جزء كبير من هذين الهدفين.

كما استخدم الإعلام الداعشي أسلوب التصوير في الأفلام الوثائقية؛ فعند بداية اللقاء مع الشخصية يكون التصوير بشكل مستقيم ومباشر، لكن عند منتصف الحديث تتغير زاوية التصوير فتصبح زاوية مائلة، وفي نهاية كل فيلم ينتجه التنظيم يقوم بالإعلان عن ضحيته التالية حتى يبقي الجمهور مرتبطًا بالمواد التي ينتجها.

لكن من أهم أدوات الدعاية في التنظيم هي اللغة؛ فقد حرص التنظيم على إرسال رسائله بكافة لغات المقاتلين المنضوين تحت لوائه وخصوصًا اللغة الإنجليزية، فأبرز الأفلام التي وجهت للإعلام الغربي ولاقت رواجًا لدقة وجودة الإنتاج هو فيلم “لهيب الحرب”، ويهدف التنظيم من وراء هذه الخطوة إلى وصول رسائله إلى الفئة المستهدفة بدون تشويش الترجمة أو الوسائل الناقلة له، فتكون الرسالة فاعلة أكثر.

ومن أدواتها التي استمدت أفكارها من الآلة الإعلامية الغربية هي المجلة الإلكترونية التي ينتجها التنظيم وتحمل اسم “دابق”، والذي يحمل بعدًا تاريخيًّا ودينيًّا عميقًا، كما أن فكرة المجلة وأسلوبها مستوحى من الملحمة الهوليوودية “نوح”.

لكن الأسلوب الأكثر مكرًا في الآلة الدعائية الداعشية هو إظهار الحياة تحت سيطرة التنظيم على أنها حياة عادية وطبيعية مما شجع كثيرًا من الجهلاء على الالتحاق به، ومن ثم اصطدموا بالواقع الحقيقي مما اضطرهم للعودة إلى أوطانهم.

وقد استخدمت داعش أيضًا الوظيفة الأسطورية للإعلام، فقامت بصناعة هالة البطل حول عناصرها في الشرق الأوسط على اعتبار أنهم يقاتلون القوات الأجنبية، وقد نجحت في استغلالها نظرًا لما تمر به المنطقة من أزمات في شتى مناحي الحياة، فكانت الظروف مادة دسمة لتجنيد الشباب والفتيات للقتال في صفوف التنظيم.

وحتى نصل إلى إجابة واضحة وعملية في التصدي لآلة إعلامية تعتمد على الوحشية كمادة أساسية في التعريف عن نفسها، فإنه يجب علينا أن نستخدم الأسلوب الذي استخدمته داعش في ماكينتها الإعلامية ورده عليها لإظهار صورتها الحقيقية؛ أي نفس الأسلوب الذي استعمله فرانك كابرا مع أعدائه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد