المتتبع لمدرسة فرانكفورت يرى بشكل واضح كيف كانت نقطة التركيز على تقدير الذات:

كيف ذلك؟

إذا ركز دعاة هذه المدرسة بدلًا من ذلك على انتشار الرخاء المادي، فسيتعين عليهم التخلي عن الماركسية لصالح الرأسمالية المدعومة من القيم اليهودية والمسيحية. مع ذلك، من خلال التركيز على احترام الذات، يمكن لليسار الجديد أن يصيب ثلاثة طيور بحجر واحد:

– يمكنهم قلب الاعتماد على الدين اليهودي المسيحي،

– والغائية اليونانية،

– والرأسمالية.

هناك شيء مشترك بين الدين والغائية اليونانية والرأسمالية:

لا أحد منها يهتم كثيرًا بـ«نعيمك». يشير الدين إلى أن إدراكك لذاتك يتوافق مع إدراكك للإله، وأن أي محاولة للوصول إلى الراحة الذاتية من خلال السعي وراء السعادة المحددة شخصيًا ستفشل. كما يشير الدين إلى عدم وجود «نعيمك»:

فقط نعيم «الله» موجود. بالإضافة إلى تخليص الناس من عقدة الخطيئة المسيحية.

بالنسبة للغائية اليونانية فهي غير مهتمة تمامًا بتعريفك الشخصي لتحقيق الذات؛ الشيء الوحيد المهم هو ما إذا كنت تتصرف بحكمة وفقًا للسبب الصحيح.

ومن جهة الرأسمالية، فهي لا تهتم بما تشعر به بقدر اهتمامك بقدرتك على إنشاء منتجات وخدمات يريدها شخص آخر.

من خلال وصف تحقيق الذات بأنه أعلى خير، إذن، فقد طرد اليسار الجديد شبح جذور الحضارة الغربية واستبدلها بدعوة إلى العمل. ماذا كانت تلك الدعوة للعمل؟ تشكيل تحالفات تهدف إلى هدم النظام. ذهبت النظرية على هذا النحو: [تحقيق الذات هو المفتاح]. لكن تحقيق الذات لا يمكن أن يتحقق في حين أن هناك عوائق.

من هذا الباب برزت العديد من الحركات المناهضة للثقافة السائدة، هذه الحركات هدفها تحقيق الذات، حتى النسوية إلى غاية المثلية الجنسية، وكره الأسرة، والأبوية، والموسيقى الصاخبة الماجنة… كلها تصب في «تحقيق الذات».

ركز بنجامين سبوك على الفطرة السليمة لرعاية الطفل، وهو من أنصار اليسار الجديد، ويقول إن على الآباء أن يدعوا جانبًا تربية الأبناء في المدرسة القديمة فهذا الأمر يؤدي إلى الشعور بعدم الأمان والقلق بدلًا من ذلك، يجب على الآباء اتباع غرائزهم والامتناع عن انتقاد أطفالهم.

كان المدافع الرئيسي عن هذا التمرد هربرت ماركوز، أحد أسلاف ما يسمى باليسار الجديد، بشّر بضرورة تمزيق النظام السائد من الأصول إلى الفروع. في عام 1955، بالتزامن مع صعود فكر كينزي، صاغ ماركوز «الإيروس والحضارة»، حيث جادل في أن النشاط الجنسي القمعي قد أضر بالبشرية، وأن تحرير الإنسان من عقلية الفيكتوري فيما يتعلق بالجنس فقط هو الذي يمكن أن يبني عالمًا أفضل. مثل كينزي رفض ماركوز فرويد. بدلًا من ذلك، طرح عالمًا من الإيروس المتحرر، ودعا إلى «مفهوم الحضارة غير القمعية، القائمة على تجربة مختلفة جوهريًا للوجود، وعلاقة مختلفة جوهريًا بين الإنسان والطبيعة، وعلاقات وجودية مختلفة جوهريًا» الآن سيصبح الجسد بأكمله شيئًا يجب الاستمتاع به – إنه أداة للمتعة.

لا عجب في أن شعار ماركوز الديونيسوسي الشهير كان «مارسوا الحب وليس الحرب».

أشار اليسار إلى المشاكل المنتشرة مثل العنصرية والتمييز على أساس الجنس في المجتمع الأمريكي في الخمسينيات من القرن الماضي-وكان تشخيصهم هو تدمير النظام تمامًا. كان هذا التشخيص يخدم مصالحهم – فمنذ ماركس، رأى اليسار أن الحضارة الغربية هي المشكلة، وهي عبارة عن تسلسل هرمي لأصحاب الممتلكات الذين يسعون إلى قمع من يفترض أنهم أدنى مرتبة. الآن، ادعى اليسار أن كل علل المجتمع يمكن أن توضع تحت أقدام النظام الذي يحتقرونه بشدة. في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، أصبحت الثقافة المضادة، التي رأت أن أمريكا مكانًا مليئًا بالشر والمعاناة، هي الثقافة السائدة في الأوساط الأكاديمية ووسائل الإعلام.

الحل كان بالنسبة لليسار أن على الناس فقط «أن يجدوا أنفسهم» هذا هو تحقيق الذات. هذا اللمعان الجديد للرومانسية الروسوية وجد أتباعًا في اليسار الجديد. حين كان الضمير هو السيادي ذات يوم، أصبح تحقيق الذات الآن مفتاحًا لتحسين الذات.

كل ما في الأمر هو إنه إذا كانت القيم والمعايير تقف في طريق تقدير الذات، فيجب أن تُطمس تلك القيم والمعايير من أجل تحقيق الذات الحقيقي. الهدف الحقيقي لم يكن خلق أجيال من البشر مشبعين في كل شيء، مع ذلك – كان الهدف خلق أجيال من البشر المهووسين بأنفسهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد