عندما كنت أعيش في بلاد العرب، التي أحمد الله أن أنقذني منها وخلصني من قهر الأشرار من أهلها، وهم كثير، كنت أحمل نظرة طفولية ساذجة عن الناس في الغرب، نظرة مشوهة صنعتها وسائل الإعلام الكاذبة، والأفلام والمسلسلات المثقلة بالمبالغات والمهووسة بعرض كل ما هو شاذ، وكلام المشايخ الذين كانوا يتفننون بلعن الغرب بكل ما ومن فيه، كنت أرى في الغربيين قوم سوء بلا أخلاق أو شرف أو مبادئ أو مشاعر أو إنسانية، لقد كانوا في عيني أقرب إلى الكائنات الفضائية أو الروبوتات، المجردة من السمات البشرية، ومن ثم؛ لم أكن قادرًا على تحديد نوعية المشاعر التي ينبغي أن أحملها تجاههم، مع ميل إلى تغليب مشاعر متناقضة ضدهم، تتأرجح بين الإعجاب والحسد والكراهية والاحتقار.

غير أن الأقدار رقت لي ومكنتني، وإن كان ذلك متأخرًا جدًا، من الفرار بما تبقى من عقلي وأعصابي وكرامتي من بلاد العرب أحزاني وأكفاني إلى بلد من بلدان الغرب القصية، الذي قصدته وأنا أتوجس خيفة منه ومن أهله، حيث خشيت أن يتجبروا فيّ فيكون حالي بينهم كحال الأيتام على موائد اللئام. ولكن لحسن الحظ، لم أحتج إلى وقت طويل هناك حتى خيّب أهله من الفرنجة ظني وبددوا مخاوفي، بل اكتشفت أنهم أكثر رأفة بي وبمشاعري من بني جلدتي الذين كرّهوني في الدنيا، والذين يفترض أنهم من المسلمين الرحماء بينهم!

وبحكم تخصصي في العلوم الاجتماعية، وولعي المزمن بدراسة السلوك الاجتماعي والمقارنة بين طبائع البشر، كنت مصدومًا وأشعر بالانزعاج وأنا أرى انطباعاتي المتعسفة عن أبناء الغرب تتهشم وتنهار، بتوثق معرفتي بهم؛ فقد تصادف أن جاءت إقامتي في ملحق بيت عائلة كندية، اتضح أنها عائلة مسيحية متدينة جدًا، لا تفوّت لقاء من لقاءات الكنيسة إلا وحضرته وشاركت فيه بحماس، وبما أنني كنت أتناول طعام الإفطار والعشاء مع العائلة، وقضيت ساعات طويلة على مدار أكثر من سنتين مع أفرادها في أفراحهم وأتراحهم، فقد خبرتهم عن قرب، واستطعت أن أعرفهم على حقيقتهم، فوجدتهم لا يختلفون كثيرًا عن كثير من الأسر العربية، بل المسلمة، بالرغم من الاختلاف العقائدي.

وبحكم ذلك الاختلاف، كان من الطبيعي أن أدخل في نفاشات صاخبة مع أفراد العائلة حول الأديان، وفي ظل متابعتي لبعض أحدث الدراسات المتعلقة بالإنجيل المتداول حاليًا وتاريخه وسياقات كتابته، فقد كان من السهل أن أبرز لهم أدلة دامغة توصل إليها علماء الأديان في الغرب تؤكد عدم معرفة هويات كتبة الإنجيل، وغياب النصوص الأصلية الأولى منه، واكتظاط نسخه الكثيرة المختلفة بما لا حصر له من الاختلافات والتناقضات والإضافات والمحذوفات، وبالرغم مما سببه ذلك من حرج وجرح للعائلة؛ حتى كدت أخشى أن يلقوا بي من النافذة لطعن مقولاتي الأكاديمية المصدر في كتابهم المقدس الذي يؤمنون بصحة ما فيه بشكل لا يقبل الجدل، إلا أنهم لم يتخلوا عن لطفهم ودماثتهم ومحبتهم لي، وظلوا يعتبرونني واحدًا منهم، إلى درجة ذرف الدموع عندما تركتهم وارتحلت إلى مدينة أخرى.

وحتى أثناء الدراسة ثم العمل البحثي والأكاديمي، حيث يغلب حسب الصورة النمطية هيمنة روح التحاسد والتباغض والتصارع وضرب الأسافين بين الزملاء، كما هي الحال في البيئات العربية المريضة، التقيت بكثير من الأشخاص الطيبين الذين لم يدخروا جهدًا لمساعدتي كوافد جديد؛ ما جعلني أقارن ذلك بالخوازيق الكثيرة التي جلست فوقها بسبب نذالة الزملاء والأصدقاء في بلاد الإسلام والمسلمين!

كثير من الناس في البلاد العربية ما يزالون يتبنون النظرة الخرقاء التي كنت أتبناها حيال الفرنجة، بل يتخطونها بأشواط بأنهم يبغضونهم كل البغض ويتمنون قطع رؤوسهم جميعًا دون تفريق بين أحد منهم، على اعتبار أنهم كفار رفضوا اتباع الدين الجديد، الذي لم يأت، في ظنهم، إلا لتحويل العالم إلى مسرح دائم للحرب، لإجبار المخالفين في الدين على اعتناق الإسلام، أو ضمان إذلالهم ووضع رقابهم تحت نعال المسلمين في أضعف الإيمان!

وكأن الله تعالى لم يجعل الناس شعوبًا وقبائل ليتعارفوا، بل ليتصارعوا كل الوقت، وكأنه لم يقل إنه لم يرسل نبيه عليه الصلاة والسلام إلا رحمة للعالمين، وكأنه نهى المسلمين عن البر والإحسان بحق من لم يحاربهم أو يتآمر ضدهم، وكأن النبي عليه الصلاة والسلام لم يحلّ للمسلمين الزواج من الكتابيات، وكأنه لم يأمر أصحابه بالهجرة إلى الحبشة التي كانت تحت حكم النصارى لنجدتهم، وكأن كل الغربيين هم من الأوغاد الأشرار الذين لا يختلفون في شيء عن جورج بوش أو دونالد ترامب، وكأن من الممكن أن يتمكن المسلم من أداء دوره في دعوة الناس إلى الإسلام، وإخراجهم من الظلمات إلى النور، وهو يمقتهم ويزدريهم ويراهم مخلوقات وضيعة جديرة بالسحق إن لم يستجيبوا إلى دعوته دون تردد أو إبطاء!

حقًّا الحمد لله ثم الحمد لله الذي خلقني مسلمًا، وهداني للعودة للإسلام والتشبث به بعد انحرافي عنه حينًا من الدهر، فلو شاءت إرادة الله أن أولد في بيئة غير إسلامية، لكان من سابع المستحيلات أن أفكر باعتناق الإسلام أو حتى الاقتراب منه ومن أتباعه، وهم يحطمون الأرقام القياسية التاريخية في الجهل والحمق والكبر والتطفل على العالم، واستنزاف مقدراته وتلويث بيئته، فهم يرتكبون الخطيئة العنصرية القاتلة التي ارتكبها اليهود قبلهم -وليتهم كانوا بتميز اليهود وقوتهم وإبداعهم- وهي الظن والزعم بأنهم شعب الله المختار، الذي منحه الله رخصة مفتوحة للنظر إلى المخالفين لهم كحيوانات لا ضير في إبادتها، أو إرغامها في أحسن الأحوال على العيش في حظائر العبودية لخدمتهم.

ثم لا أدري لم يغضب العربان من أمريكا ومن بلدان الغرب عندما تتعالى عليهم وتنظر إليهم باستهانة ودونية ولا تجد غضاضة في العمل على استعبادهم واستغلالهم، مع أنها تمتلك من المقومات الموضوعية ما يعطيها الحق في ذلك والقوة لفعله، بينما يسبحون هم في محيطات التخلف والفرقة والضعف والشعارات الفارغة، فيأكلون مما لا يزرعون، ويلبسون مما لا يخيطون، بل يحاربون بعضهم بعضًا بأسلحة لها يستوردون! فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، بل إنا لله وإنا إليه راجعون، كما على المرء أن يقول عند رؤية المصائب والكوارث.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الفرنجة
عرض التعليقات
تحميل المزيد