في كتاب «الهرطقة المئة» للقديس يوحنا الدمشقيِّ الذي ألفه للرد على المسلمين؛ أو بالأحرى للتضليل عن الإسلام بكل كذب وخداع، مع غياب المنهج العلمي الموضوعي؛ نقف بين صفحاته نُحاول أن نرفع الستار عنها لجمهور الناس، سنعرض بعض آرائه في هذا الكتاب لنبين تعصبه وخداعه لإخواننا المسيحيين قبل المسلمين؛ لكي لا يفتتنوا بآرائه التي لا تقوم على أدنى منهج علمي سليم.

ظهور الإسلام

يقول بعد مقدمته التائهة عن ظهور الإسلام وسط العرب من نسل سيدنا إسماعيل عليه السلام، ويطلق عليهم (الإسماعيليين) ما نصه: «قام بينهم نبي منتحل النبوة اسمه محمد، والذي قد أنشأ هرطقته بعد أن تعرف بالصدفة على العهدين القديم والجديد، وبعد أن تحاور مع راهب آريوسي. وبعد أن أحرز لنفسه خطوة لدى الشعب عبر تظاهره بالتقوى».

وقد جهل هذا المؤلف أن النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، كان أميًّا لا يقرأ ولا يكتب، فكيف له أن يطلع على العهدين القديم والجديد؟

هذا بالنسبة إذا كان العهد القديم والعهد الجديد باللغة العربيَّة؛ لكن التاريخ يخبرنا بأن أول نسخة مترجمة للكتاب المقدس لم تكن موجودة في عهد رسول الله، صلى الله عليه وسلم؛ وإنما وجدت سنة 900م، وقد قام بها سعيد الفيومي؛ أي بعد حوالي 250 عامًا من وفاة النبي، صلى الله عليه وسلم.

فكيف لرجل لا يجيد القراءة ولا الكتابة بلغته أن يقرأ بلغة غيره وهو غير عالم بها؟!

لقد رد القرآن العظيم نفسه على هؤلاء المدلسين بقوله الساطع للعقول: «وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ۖ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ».

ويقول إن النبي محمد تحاور مع راهب آريوسي. لكنه هنا يقول كلامًا مرسلًا عندما تجاهل ذكر اسم هذا الرهب ليُعرف القارئ من هو!

وقد ثبت عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه التقى بورقة بن نوفل ابن عم السيدة خديجة زوج النبي مرتين فقط، الأولى كانت قبل النبوة عند الكعبة، وقد قبَّل ورقة جبين النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، والثانية عندما نزل عليه جبريل في المرة الأولى عندما كان خائفًا مرتجفًا وأخذته خديجة إلى ورقة بن نوفل. وأهم معلومة تاريخية هي أن ورقة لم يلبث إلا ثلاث سنوات بعد نزول الوحي على النبي محمد ومات بعدها، وقد ظل القرآن الكريم ينزل على النبي محمد طوال 22 سنة، فكيف أخذ عنه وكيف استمر الأخذ بعد مماته؟!

كما أن النبي محمد ذهب مرة في قافلة تجارية من قريش، وكان عمره آنذاك اثنتي عشرة سنة، وقبل وصول القافلة إلى مقصدها، توقفت في منطقة تسمى «نصرة»، وهي من مناطق الشام، وكان يسكن في هذه المحلة راهب مسيحي يدعى «بحيرا»، كان يتعبَّد في صومعته ويحترمه المسيحيون في تلك المنطقة.

وهذا الراهب التقى القافلة التي كان فيها النبي، فلفتت نظره شخصية محمد وراح يتأمل في صفاته ويحدِّق في ملامحه، خصوصًا بعدما رأى أن سحابة من الغيم ترافقه أينما جلس لتحميه من حر الشمس، فسأل عنه بعض من في القافلة فأشاروا إلى أبي طالب وقالوا له: «هذا عمه». فأتى الراهب بحيرا إلى أبي طالب وبشَّره بأن ابن أخيه نبي هذه الأمة. وأخبره بما سيكون من أمره، بعدما كان قد كشف عن ظهره ورأى خاتم النبوة بين كتفيه ووجد فيه العلامات التي وصفته بها التوراة والأناجيل وغيرهما.

وقد كان هذا اللقاء لا يتعدى الساعات القليلة جدًّا حتى يتعلم غلام صغير ذوي اثني عشر عامًا دينًا كهذا يقيم به الدنيا. ويكفينا مؤونة الرد على هذا العقل السليم الذي يُدرك ببداهة تدليس هذا المؤلف وكذبه.

وقد رد على هذا الكذب «طومس كارليل» فيقول: «حب أن يؤلف دينًا في حضرة قافلة في جلسة خاطفة. لا يقول بهذا عقل».

ويقول المؤلف إن النبي محمد قد تظاهر بالتقوى أمام الناس. ولا يعلم أن النبي محمد منذ نشأته في قريش وترعرعه فيها بين الناس قد كان تقيًا صالحًا لا يذهب مذهب النقص أو الانحراف أبدًا؛ حتى إنه لم يسجد للأصنام التي يسجد لها قومه قط، ولحسن سيرته وأخلاقه قد كان يُلقب بالصادق الأمين عند كل الناس. وبعد النبوة كان أعداؤه يضعون أماناتهم عنده ليحفظها لهم مع أنهم أعداؤه؛ وكان يتم حفظها كالصادق الأمين.

تدليس التاريخ

ويقول المؤلف إن محمدًا يقول في القرآن عن المسيح إنه «ولد دونما زرع من مريم أخت موسى وهارون».

ولا يعلم أن مريم ابنة عمران التي هي أم المسيح، عليه السلام، كان لها أخ يسمى بهارون، هذا الأخ إما بالنسب أو بالانتساب العرفي حينذاك؛ حيث كان القوم حينها ينسبون المرء إلى قرينه من الصالحين ، فوصف (أُخْتَ هَارُونَ) هو وصف حكَاه القرآن على لسان قوم مَرْيَمَ، ولم يكن تسميَة قرآنِيَّة لمريم «فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا * يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا».

وبهذا تعلم أن هناك شخصيتين، الأولى مريم أخت موسى وهارون، والثانية هي مريم ابنة عمران أم المسيح التي كانت تنسب في قومها لهارون عرفًا لصلاحها وحسن سيرتها، وكأنهم يقولون «لِمَاذَا جِئْتِ بِهَذِهِ المُصِيبَةِ وَأَنْتِ أُخْتُ هَارُونَ النَّبِيِّ الصَّالِحِ. وَمُرَادُهُمْ مِنْ (أُخْتَ هَارُونَ) أَي مُنْتَسِبَةٌ لِهَارُونَ، كَمَا نَقُولُ نَحْنُ اليَوْمَ لِشَخْصٍ عَرَبِيٍّ: يَا أَخَا العَرَبِ».

ثم يقول المؤلف: لقد نزل القرآن على محمد وهو نائم. ولم يثبت أن كلمة واحدة قد نزلت على النبي محمد وهو نائم!

ويتابع: من ذا الذي يشهد بأن الله أعطاه (أي محمد) كتابًا، أو من أعلن من الأنبياء السابقين أن سيأتي نبي كهذا؟

ولكن هذا المؤلف لو كان اطلع على العهدين القديم والجديد لما كان سأل هذا السؤال، فالكتاب المقدس يخبرنا بجلاء عن النبوءة بمحمد عليه السلام، ومن هذه الأخبار: «1. إِنَّ لِي أُمُورًا كَثِيرَةً أَيْضًا لأَقُولَ لَكُمْ، وَلكِنْ لاَ تَسْتَطِيعُونَ أَنْ تَحْتَمِلُوا الآنَ * وَأَمَّا مَتَى جَاءَ ذَاكَ، رُوحُ الْحَقِّ، فَهُوَ يُرْشِدُكُمْ إِلَى جَمِيعِ الْحَقِّ، لأَنَّهُ لاَ يَتَكَلَّمُ مِنْ نَفْسِهِ، بَلْ كُلُّ مَا يَسْمَعُ يَتَكَلَّمُ بِهِ، وَيُخْبِرُكُمْ بِأُمُورٍ آتِيَةٍ * ذَاكَ يُمَجِّدُنِي، لأَنَّهُ يَأْخُذُ مِمَّا لِي وَيُخْبِرُكُمْ» «يو 16: 14».

فإن قالوا هو يتحدث عن الروح القدس. قلنا: قبلها بتسعة أعداد في العدد السابع يقول المسيح: «إِنَّهُ خَيْرٌ لَكُمْ أَنْ أَنْطَلِقَ، لأَنَّهُ إِنْ لَمْ أَنْطَلِقْ لاَ يَأْتِيكُمُ الْمُعَزِّي، وَلكِنْ إِنْ ذَهَبْتُ أُرْسِلُهُ إِلَيْكُمْ».

فمعيار مجيء «روح الحق» هو أن يذهب المسيح. والروح القدس كان موجودًا عندما قال المسيح ذلك!

وقد قال المسيح «إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَنِي فَاحْفَظُوا وَصَايَايَ، 16 وَأَنَا أَطْلُبُ مِنَ الآبِ فَيُعْطِيكُمْ مُعَزِّيًا آخَرَ لِيَمْكُثَ مَعَكُمْ إِلَى الأَبَدِ، روح الحق» يوحنا 14/16.

وكلمة (المعزي) تغيرت والموجودة حاليًا في الكتاب المقدس هي كلمة (باركليتس) وهي كلمة محرفة لكلمة (بيركليتس) والتي تعني بالعربية «أحمد»!

2. جاء في التوراة في سفر التثنية الإصحاح الثامن عشر الفقرات 18و19: «يا موسى أني سأقيم لبني إسرائيل نبيًّا من إخوتهم مثلك أجعل كلامي فيه ويقول لهم ما أمره به والذي لا يقبل قول ذلك النبي الذي يتكلم باسمي أنا أنتقم منه ومن سبطه».

من إخوانهم، لو كان منهم من بني إسرائيل لقال سأقيم لهم نبيًّا منهم، لكنه قال من إخوتهم أي أبناء إسماعيل.

3. «أَوْ يُدْفَعُ الْكِتَابُ لِمَنْ لاَ يَعْرِفُ الْكِتَابَةَ وَيُقَالُ لَهُ: «اقْرَأْ هذَا». فَيَقُولُ: « لاَ أَعْرِفُ الْكِتَابَةَ». إش 29: 12.

وكلمة (لا يعرف الكتابة) تلاعب في الترجمة؛ حيث موجودة في النسخة الإنجليزية (الأمي) وموجود (لا أعرف القراءة)، وليس الكتابة!

إن النبي محمد منذ الصدع بالقرآن وهو يدعو أهل الكتاب ويحاججهم ببشارات كتبهم له، وما استطاع أحد أن يطعن في هذه الجهة ويقول «لا بشرى بك عندنا»؛ بل على العكس لقد آمن به كثير من أهل الكتاب العالمين بالكتاب المقدس.

ويقرن المؤلف بين عبادة المسيحيين للصليب وبين توقير المسلمين للحجر الأسود والكعبة المشرفة، ويقول إذا كنا نعبد الأوثان لسجودنا للصليب فأنتم كذلك لسجودكم أمام الكعبة.

لكنه قاس خطأ هذا الأمر؛ فالمسلمون لا يسجدون للكعبة عبادة لها؛ بل لأنها قبلة المسلمين، وما وجد منذ بداية الإسلام مسلم يقول إنني أعبد الكعبة أو الحجر الأسود، وإنما هو توقير لشعائر الله وأماكن العبادة المشرفة.

أما أنتم، المسيحيين، فتقدسون التماثيل التي تصنعونها وتزعمون أنها على هيئة المسيح وأمه، وتعتقدون فيها وفي الصليب التقديس التام وأن روح المسيح قد تجلت فيه، وإذا كانوا يرفضون ذلك إلا أنه لازم قولهم؛ فهم قد أقروا بحلول المسيح في الجسد كاملًا عندما يتناول «الافخاريستا» أو العشاء الرباني، لأنه في زعمهم قد أكل جسده وشرب دمه!

يقول دير السيدة العذراء مريم والملاك ميخائيل – البهنسا:

– الصليب هو موضوع فخرنا في هذه الحياة وهو علامة إيماننا، كما قال بولس الرسول «وأما من جهتى فحاشا لي أن أفتخر إلا بصليب ربنا يسوع المسيح الذي به قد صلب العالم لي وأنا للعالم» (غلا 6 : 14).

– إن كانت الحية النحاسية قد أبطلت سم الحيات في العهد القديم، فكم بالحري صليب ربنا يسوع المسيح «الذي رفع عليه لا حية نحاسية، بل رب المجد، وسكب معه على الصليب ليصير لنا بالدم حياة وبالصليب النصرة.

– أن الشياطين توجه هجماتها المنظورة إلى الجبناء، فارسموا أنفسكم بعلامة الصليب بشجاعة ودعوا هؤلاء يسخرون من ذواتهم، أما أنتم فتحصنوا الصليب.

– حيث وجدت إشارة الصليب ضعف السحر وتلاشت قوة العرافة.

– بالصليب غلب قسطنطين الملك البار أعداءه وارتفع شأنه لما أظهر الرب له علامة الصليب مضيئة في السماء قائلًا له «بهذه العلامه تغلب أعداءك» فغلب وصار الصليب قوة الملوك وعزائهم ونصرتهم، يضعونه فوق تيجانهم لكي يباركهم ويؤيدهم وينصرهم.

– أن الشياطين ترتعب من منظر الصليب، وحتى من مجرد الإشارة به باليد، لأن السيد المسيح له المجد ظفر بالشيطان وكل قواته ورئاساته على الصليب.

هذه جملة من آراء القديس يوحنا الدمشقي في هرطقته المئة، وهي غيض من فيض ظلامه وبعده عن الحقيقة والتحقق، ونرجو أن يفقه القارئ لهذا الكتاب هذه الأمور ليكون من ذوي الفكر الممحص للقضايا المختلفة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد