حراك شعبي جزائري.. تمهيدٌ لنهاية حكم الزمرة الخفية!

«الماريونيت».. أو ما يُعرف بالدُّمى المتحركة، هي عبارة عن مجسمات اصطناعية يتحكم في حركاتها شخص ما، إما بيده أو بخيوطٍ أو أسلاك أو عِصِيّ، وتتقمص هذه الدمى أدوارًا في مسرحيات تُعرف باسم عروض العرائس. يعمل محرك هذه الدمى من وراء غطاء أو شرشف يشدّه بعرض الجزء السفلي من فتحة بابٍ ويتوارى خلفه، فلا يرى مشاهدو العرض المسرحي سوى الدمية المتحركة التي تظهر بالجزء الأعلى من فتحة ذلك الباب.

يحدث في دولة عظمى هي الأكبر مساحة عربيا اسمها الجزائر، عرض مسرحي من هذا القبيل منذ قرابة ست سنوات، تحديدًا عندما عصفت بالرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة أزمة صحية ألزمته الكرسي المتحرك إلى حد الساعة! منذ تلك النكسة والجزائريون يتساءلون عمن يسيّر البلاد، ومن يتحكم في تحريك دمية الرئيس المريض الذي لم يعد له حول ولا قوة، يتساءل العالم كافة والجزائريون خاصة: من يقف خلف الشرشف؟

في الحقيقة من يمسكون الخيوط والعِصي هم زمرة محاطة بالرئيس، أناس مدنيون وحتى عسكريون، لعل أبرزهم هو «السعيد بوتفليقة» شقيق عبد العزيز بوتفليقة ومستشاره الخاص الذي عيّنه بقرارٍ لم يُنشر عند توليه مقعد الرئاسة عام 1999، هذا الشخص وصفته صحيفة «فايننشال تايمز» بحارس بوابة الرئيس الجزائري، وذكرت العديد من التقارير الأجنبية لأكثر من مرة أن الرئيس الفعلي للجزائر هو السعيد بوتفليقة وليس عبد العزيز، وأن جميع قرارات التعيينات والتنحيات هو من يقوم بإصدارها مستغلًا صلاحيات أخيه الذي لم يعد يدرك ما يجري من حوله. أيدٍ أخرى كذلك ارتبط اسمها بالسعيد بوتفليقة، مثل «علي حداد» مثلا وبعض الجنرالات التي تسيّر في الكواليس.

دخلت الجزائر دوامة من اللافهم بتولي هؤلاء لمقاليد السلطة بشكل مخفيّ. أصبح هلال رمضان السنوي أكثر ظهورًا من الرئيس الجزائري! أمرٌ معقول! فالرجل لم يعد قادرًا حتى على تحريك يده والتلويح بها لشعبه كعادته طوال فترة حكمه في العهدات السابقة، لا أحد باستطاعته إنكار ما قدمه عبد العزيز بوتفليقة للجزائر وشعبها، فقد جعله الله سببًا في وقف مجازر عشرية سوداء عاشتها الجزائر ماضيًا، لكن دوام الحال من المحال، ولم يعد بيده حيلة بعد أن نال منه العجز… عجزٌ استغله هؤلاء الأفراد لتحقيق أغراضهم الشخصية على حساب الشعب الجزائري طيلة عهدة كاملة (إن لم تكن أكثر)، ليس هذا فحسب، الأدهى والأمرّ أن هذه العصابة قامت بإعادة ترشيح العجوز الطاعن في السن لولاية خامسة، خطوة قاموا بها كانت بمثابة القطرة التي أفاضت كأس غضب الشعب الجزائري، الذي أدرك أن الوطن لم يعد بمأمنٍ بين أيدي هؤلاء العابثين، فانتفض الشارع مطالبًا بالتغيير وإرساء ديمقراطية حقيقية في البلاد، متغلبًا على هاجس بعبع العشرية السوداء، ومستبدلًا بوسائل الإعلام المحلية التي تمارس التعتيم الإعلامي والتي هي بالأساس عبارة عن أبواق للنظام، مستبدلا بها ما يعرف بصحافة المواطن، صحافة شفافة ونزيهة، صحفيوها ومراسلوها ورؤساء تحريرها هم أبناء الشعب المتحّد المنادي بالتغيير وإقتلاع جذور المتمسكين بكرسي المرادية منذ عقدين كاملين من الزمن، اتحاد تحت شعار : سلمية.. سلمية.

مشاهد استثنائية يصنعها المتظاهرون الجزائريون المناهضون للعهدة الخامسة وحكم الزمرة المتخفية، عبر كافة أرجاء البلاد، مشاهد طغت عليها مظاهر الوعي والرقي والحضارة والسلمية والوحدة الشعبية، هدفهم الأوحد إعلاء شأن الوطن ولا شيء غير الوطن، مهما اختلفت الآراء والاتجاهات، حناجر تصدح بالتغيير، وتصرخ بكل ما أوتيت من روح وطنية : «حرِّرُوا الجزائر! Libérer l’Algérie».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد