من بات فى السجن مظلوما حتى ولو يوماً واحداً لايعود كما كان من قبل ..

‎كل إنسان يحيا فى هذه الدنيا يحاول الابتعاد عن كل شيء سيئ، سواء كان مرضًا أو فقرًا أو مصيبةً أو بلاءً، حتى وإن كان قدره ومآله فى نهاية الأمر هذا الامر السيئ، يقاوم الظروف والحياة للابتعاد عنه، ولكن عندما يخرج السجين من سجنه ليمارس حياته بشكل طبيعى يجد نفسه مختلفًا عن باقي عوام الناس، يتحسس ماضيه المليئ بالتفاصيل فلا يجد شيئًا، ويجد أن الحياة قد توقفت عند آخر لحظة قبل دخوله باب زنزانته المظلمة، يحسب أن هذا أمرا عاديًّا ربما هي الفترة الأولى فقط، وسينتهي كل هذا وأعود إلى ما كنت عليه قبل سجني، يأمل في أن تعود ابتسامته الحقيقية لا المصطنعة التي يختبئ وراءها قهر الرجال وغصة الظلم، ويومًا مليئًا بالتفاصيل، من دراسة، لعمل، لمقابلة الرفاق والجلوس على المقهى، والحديث عن الخطط المستقبلية.

‎ولكن حقيقة الأمر أن من بات في السجن مظلومًا حتى ولو يومًا واحدًا لا يعود كما كان من قبل مثل شخص ذهب إلى معركة دامية، رأى الأشلاء والدماء فأفزعته كوابيسها كل يوم في نومه.

‎ينظر إلى الحياة من حوله فيرى أن الألوان أصبحت باهتة، وأن المذاق يغلب مُره حُلوه، وأن الطريق يضيق حتى كأنه يطلب منه المغادرة عنه، ليس هذا وحسب، بل إن عائلته البسيطة يعتقد أنه أصبح غريبًا عنهم، يغلق باب غرفته ويطفئ الأنوار ويبكي ويصرخ من داخله: أنا لا أنتمي إلى هنا، أريد أن أعود إلى زنزانتي، ما هذه الحياة ومن هؤلاء الناس؟!

‎كل هذا حقيقي ليس وهمًا أو كلامًا دراميًّا نصيغه ونكتبه ليتأثر الناس ويتباكون، وإنما هو واقع يعيشه كل إنسان تعرض لتجربة الاعتقال، وأنا منهم، وإذا كنت ستسأل نفسك ما الذى يجعل إنسانًا عاقلًا  يتمنى دخول السجن؟

‎فأقول لك إن النسيان أمر صعب في هذه الأمور، وأن ما يتعرض له السجين في محبسه من جلوس بين أربعة حوائط في غرفة مكدسة بالبشر، وفضلًا عن التنكيل والتعذيب، والجلوس بالشهور في غرف الانفرادي، والإهانة المستمرة، وأكثر من ذلك،كل هذا يحتاج أعوامًا من التأهيل النفسى حتى يعود شخصًا عاديًّا.

‎شخص يمتلك أملًا في حياته ويرى أن سعيه سيكون نتيجته مستقبلًا مشرقًا في وطن يحترم أبناءه، لا يقتلهم أو يعذبهم أو يسجنهم، شخص يرى الشمس ويستشعر حرارتها، دون أن يأتي أحد العساكر ليطلب منه دخول الزنزانة لأن وقت التريض انتهى، شخص يجتمع بأهله في بيته لا في قاعات الزيارة التي تكون الأحضان والدموع فيها هي تفاصيلها الأولى والأخيرة، شخص يشعر بالأمان ويختار أصدقاءه وأحبابه، ولا يفقدهم أو يفقدونه إلا بالموت بعد عمر طويل، لا بترحيلهم بعضهم عن بعض لسجون مختلفة، أو بخروج أحد وبقاء الآخر.

نعم الأمر ليس باليسير، وكل ما كتب وسيكتب سيكون مختزلًا عما يدور بداخل نفوس من تعرضوا لهذا الأمر، كنا نردد في محبسنا بعض الكلمات لتهون قسوة السجن وضيقه ونقول: «أصل البراح زنازين والسجن حرية».

‎لكني عندما خرجت أدركت تمامًا أن السجن ليس حرية، وأن السجن لا يطاق ولو لثانية واحدة، وأن القابعين خلف أسوار السجن يجب أن يخرجوا، وأدركت أيضًا أن الحياة في الخارج ليست حرية.

‎«الحرية أسيرة فى عروش الأنظمة المستبدة تنتظر قرار الإفراج عنها ونحن ننتظر معها أيضًا ونأمل أن يكون ذلك قريبًا».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد