تعددت الأسباب والدوافع، واختلفت الوسائل والأساليب، والنهاية واحدة، الإنتحار، الموت.

هي لحظة من الوهن والاضطراب النفسي والخواء الروحي وضعف الإيمان، فقد الإرادة والاستسلام.

لحظة فقدان البصيرة، لحظة من الجنون العاقل!

انعدام الثقة بالنفس، وفقدان الأمل، والسقوط تحت مخالب اليأس والإحباط والإقرار بإسدال الستار الأسود على كل شيء، ووضع نهاية لهذه الحياة، وكأنه ليس هناك أي بريق أمل ولا قدرة على استنهاض الإرادة ومقاومة الألم، ولا رب قادر يقول للشيء كن فيكون!

انتحرت! نعم انتحرت بعد أن فاض بها الكيل، وعلمت إنه لا مجال للتغيير، عندما التف حول عنقها حبل اليأس، وانطفأ في عينها نور الأمل، تلك الشابة الناشطة الحقوقية، التي صالت وجالت دفاعًا عن حقوق المعتقلات في سجون الظلم، انتحرت لتعبر عن حالة يأس من وطن، سلبت فيه كل معاني الحياة الكريمة، بعد أن أغلقت في وجهها كل سبل العيش.

انتحر ذلك الشاب في إحدى قرى الصعيد لرسوبه المتكرر في الثانوية العامة، شعورًا منه بالفشل في نظر مجتمع جاهل، حصر له النجاح في الجانب الدراسي فقط!

وفي مشهد درامي آخر مقتبس من الأفلام والروايات الرومانسية نرى الشباب الذين يقدمون على الانتحار نتيجة مفارقة أحبائهم، وفي زاوية أخرى نرى ذلك الأب الذي يقتل نفسه وأولاده لأنه لا يجد ما يسد رمقه وكأن المثل القائل بأنه «مافيش حد بينام جعان» انتهت صلاحيته.

عبرالفنان أحمد حلمي في مشهد تراجيدي رائع في أحد أفلامه، عن بعض تلك الأوجاع حيث دار حوار بينه وبين أحد الممثلين وهم يجلسون على المقهى.

يقول أحدهم: أجلس على المقهى منذ 25 عامًا في انتظار أن يوظفونني.

فيرد الآخر: أنت مخطئ، كان من المفترض أن تبحث عن عمل.

فيرد: سمعت عن القطار الذي يركبه الناس؟

أي قطار؟! فهناك أكثر من قطار، قطرالعمل، قطار العمر، قطار الزواج.

«تركب قطر العمل من هنا يدوبك تعملك قرشين تلاقي قطر الجواز فاتك، وهوب قطر العمر يتقلب بيك في قليوب».

لخص ذلك المشهد ما يعانيه المجتمع من انهيار في معظم متطلبات الحياة الكريمة للمواطن، فإذا أردت التعرف أكثر عن تلك الأوجاع التي يعانيها المواطنون، راجع تقرير الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء لتعرف كم بلغت نسبة الفقر، وراجع بعض الإحصائيات عن نسبة العنوسة والأمية وانظر أيضًا كم بلغت نسبة البطالة! وتابع أخبار المعتقلين لتعرف إلى أي مدى وصل القمع وتقييد الحريات!

فقر، جهل، بطالة، عنوسة، قمع وظلم، كل تلك الأمور من صميم الدوافع التي أدت إلى زيادة معدل الانتحار في مصر بشكل خطير في الفترة الأخيرة.

ولكن دعونا ننظر سويا إلى تلك الأسئلة التي تتناثر في عقولنا حينما نسمع عن حالة انتحار، كيف لهم أن يفكروا في ذلك، أين الإيمان بالله، كثير من الناس مروا بمحن وآلام عصفت بقلوبهم ووجدانهم، كانوا يظنون أنها نهاية الحياة، ولكن سرعان ما قذف الله في قلوبهم الأمل، ليعودوا إلى حياتهم من جديد متحدين الألم والفراق والفشل والخذلان.

ولكن تغفل أعيننا عن أننا نطرح كل تلك الأسئلة ونحن في كامل وعينا، نغفل أن نضع أنفسنا مكان ذلك الشخص، الذي فقد بصيرته، وحجب اليأس رؤيته، وتملك الخوف والعجز من قدرته، حتى كان الهروب إلى الانتحار هو الحل، حيث فسر أحد المتخصصين في علم النفس «أن المقدم على ذلك هو شخص محب لذاته فهو يقدم على ذلك ظانا منه أن الانتحار راحة له من الألم والمشاكل التي يمر بها».

فعندما حاولت تخيل حالة شخص يحاول الانتحار، حينما نظرت في عينيه الجاحظتين، شعرت وكأنه يحدق في الواقع والحياة، فيجد الدنيا قد لبست كفنها الأسود، فيزداد خفقان قلبه وتزداد سرعة نبضاته، وكأنه تملكه الخوف والرعب وكأن نهار عمره تحول إلى ليل دامس، فتنحبس أنفاسه وتزداد حدتها، كأنه يرى أحلامه وطموحاته تحتضر أمامه، وهو مقعد لا يستطيع النهوض لتحقيقها، تلمست أطرافه فوجدتها ترتعش وتزداد برودة، وكأنه قد حل الشتاء بقلبه، فتملكته الوحدة واعتصر ألم الفقد قلبه، بعد أن خلت الحياة من محبيه، فكأنه فقد القوة والسند والدافع، أشعر مع كل صرخة يصرخها كأن أوجاع الدنيا كلها اجتمعت بداخله، ففقد شهيته في الحياة وهو ما دفعه ادإلى اختيار مفارقتها.

أيا كانت الدوافع التي يرجحها علم النفس والتي تدفع بصاحبها إلى الانتحار سواء أكان اكتئابا حادا، أم شعورا بالوحدة والفقد، أم مشاكل مادية أم مرضية، أم عاطفية أم اضطرابا نفسيا أم فشلا وظيفيا ام دراسيا ام خواء روحيا أو قمعا سياسيا أو كل هذا أو غيره، توجب علينا أن نمد يد العون لكل من خاطب نفسه بذلك الفعل، لنخبره أن الله ما خلقنا ليعذبنا، وأنه جعل في كل محنة منحة، وأن الفشل الدراسي ليس نهاية المطاف، وأن لكل ظلم نهاية، علموهم أن يحبوا من يشاؤون ولكن ليعلموا مسبقا أنهم مفارقوه، أخبروهم أن كل ذلك حتما سيمر، ولاتحدثوهم بأي كلمة سلبية في ذلك الوقت، فتكونوا كمن يجهز على جريح، فوقع كلمة سلبية واحدة من أقرب الناس إليه كوقع ألف سكين يحز في رقبته، ولا تخاطبوهم بالعقل إن كان خطاب الدين أجدى لهم، ولا تخاطبوهم بالدين إن كان خطاب العقل أنفع لهم، ولاتخاطبوهم بهذا أو ذاك أن كان حضن واحد منكم يطمئنهم.

وفي النهاية لا تستهينوا بتلك الكلمة أو بقائلها، فقد يفعلها لاستهانتكم بها أومنه، قد يفعلها ليثبت لكم العكس بأنه قادر على فعلها، قد يفعلها لأنه بحاجة إليكم أو للتخلص منكم، ضعوا دائما في حسبانكم أنه قد يفعلها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سقوط
عرض التعليقات
تحميل المزيد