منذ انتهاء شهر رمضان المبارك لعام (1437 هجري – 2016 ميلادي)، وتعتاد الآراء المختلفة والتحليلات المتباينة أن تنهال على الأعمال الرمضانية المتنوعة من أعمال فنية أو برامج تليفزيونية.

اليوم أختصه بالحديث عن مسلسل «سقوط حر»، ليس لأنه عمل درامي متميز فحسب، بل لأنه تناول قضية هامة تكاد تُعامل في المجتمع على هيئة وصمة عار، يجوز التخلي عن صاحب مرضها أو استنكار وجوده من الحياة باًسرها، وإهدار جميع حقوقه وواجباته.

أرغب في أن أبدأ حديثي بكلمات صغيرة من داخل العمل، من على لسان إحدى الشخصيات الأساسية وهو ما يبرز بشكل واضح أهمية دور الأطباء النفسيين، والذي قد وضح  بالعمل من خلال الممثل المبدع «محمد فراج» في دور الدكتور «وليد» الطبيب النفسي، حينما سُئل من ابن البطلة «آدم» ضمن سياق الأحداث عن معنى «السقوط الحُر»، فشرع لُيعرب عن معنى المسلسل في الحلقات الأخيرة بها، قائلًا:
«يعني إيه؟ ‫#‏سقوط_حر؟

دكتور وليد: احنا بقى عقلنا كأنه حتة الخشبة دي، من كتر المشاكل اللي بيعيش فيها والضغوط اللي حواليه، مش بيلاقي حل يعمله غير إنه يرمي نفسه على الأرض. إيه بقى اللي بيقاوم رحلة السقوط دي؟
آدم: الهواء؟
دكتور وليد: برافو عليك، احنا بقى «الدكاترة النفسيين» نعتبر الهواء اللي بيقاوم رحلة سقوط عقل مامتك في الحتة الضلمة!».

مع تقديري الشديد للعمل والقائمين عليه، فهذا المقال هدفه الأول والأخير ليس لمدح العمل فنيًا على قدر الحديث عن قيمة العمل ونوعية الدراما النفسية، من مُشاهد وجد فيه قيمة ورسالة هادفة قد تضيع هباءً عن أعمال أخرى، مُشاهد رأى آراء تُهاجم العمل وكأنه عمل سوداوي وكئيب ولا يجب مشاهدته، مُشاهد يريد أن يُبعث رسالة صغيرة للمساعدة في تصحيح مسار بناء الآراء. قد تستحسنها أو لا.
فالاختلاف بالرأي لا يفسد للود قضية.

قيمة الأعمال لا تُبنى من خلال المتعة والضحك فقط، بل تُبنى بسطوع نور مشرق على ما قدمته من أثر يستمر بعقولنا ونفوسنا.

في «سقوط حُر» استطاعت الكاتبة «مريم نعوم» (صاحبة الفكرة والمعالجة الدرامية والسيناريو مع نظيرها الكاتب «وائل حمدي») تجسيد شتى أنواع الأمراض النفسية المُهمشة، ليس فقط مُهمشة من حيث الاهتمام ولكنها مُهمشة اجتماعيًا وفكريًا، من حيث الوعي العام لأفراد المجتمع الذي لا يفقه كثيرًا في قضايا النفس البشرية والذي ينتج عنه وجود الكثير من الحالات المريضة نفسيًا ولا يُهتم بشأن علاجها من قبل أهلها أو حتى نفسها، من خلال التردد على دكتور نفسي أو حتى التخفيف من حِدة مشاكلهم بالمُحاورة والحديث الذي يُعد أحد العوامل الأساسية في علاج المرضى النفسيين.

استطاعت فكرة «مريم نعوم» أن تجعل من العمل الفني السيكودرامي كتالوجًا مُصغرًا لحالة المرضى النفسيين لمختلف الأمراض كمحور آخر يسير متوازيًا مع أحداث القصة الرئيسية وهي الاضطراب النفسي للبطلة «نيلي كريم» وجريمة القتل المتورطة فيها، يحدث هذا أثناء تجسيد أحداث المسلسل في مستشفى للأمراض النفسية التابعة للحكومة ثم أخرى خاصة، استطاعت أن تُبرز مختلف الأمراض وأعراضها من خلال تعدد وجود الشخصيات الثانوية بالعمل، وارتباطهم نوعًا ما بالبطلة «نيلي كريم»، حتى وإن كانت ليست باستفاضة في شرح وتحليل أعراض مرضهم من خلال ظهورهم في الكثير من الحلقات، لأنه وإن كان حدث، كانت ستُرغم على أن تزيد من أحداث المسلسل ما يمتطيها للتناول فيما يزيد عن ثلاثين حلقة، وعلى قدر ما يكون هذا إهدارًا لمتعة الحديث عن كل مرض باستفاضة، فَعلى الأقل نجحت في اقتحام عقل المُتفرج لزرع معانٍ لأمراض لم يكن بالضرورة يسمع عنها من قبل، وبالتالي تنمية الوعي بها وبأسباب وجودها التي بات في الأغلب التأثير المُجتمعي ومشاكله هو السبب الرئيسي في نضوجها، مثلما وضح في الشخصيات التي عانت الكثير من مشكلة التحرش وغيرها من أوباء كثيرة منتشرة بالمجتمع، قد تودي بنفس وحياة أفراد مُجتمعها.

استطاعت أن تستغل الوقت الترفيهي للعقل أثناء المشاهدة للبعث برسالة ما، هذا وبالأخص لتمتع شاشة العرض التليفزيوني في شهر رمضان المبارك بشتى الأعمال التي تُجذب أمامها مختلف أنواع المشاهدين غير مقتصر على صغير أو كبير أو من هم مثقفون ومن هم أقل في درجة العلم والمعرفة والاطلاع.

هذا بالإضافة للصورة الخاصة التي وضحت أثناء الأحداث بصورة صحيحة وجلية، وهي أن بعض المستشفيات الخاصة قد تستهلك الحالة المرضية وتسوئها عما كانت عليه، لأغراض شخصية فاسدة خاصة بصاحبها أو مديرها أو من يُشرف على الحالة.

فليس كل من باق على الأرض يعلم ماذا تعني كلمة الإنسانية ولا يستطيع أن يتحلى بلباس الضمير.

ومن منطلق فكرة أن للعمل بابًا قد يبرز محاسنه، فهذا قد تجلى بشدة من خلال الإخراج المبدع للمخرج «شوقي الماجري» وعلى اعتقادي استخدامه لعدسة Wide Lens Camera نجح كثيرًا في بروز ملامح الشخوص أثناء تجسيدها، والذي قد تجلى بوضوح على المرضى النفسيين خصوصًا لصاحبة الأداء العبقري «نيلي كريم».
وهذا قد أتحد مع الأسلوب الخاص الذي اتبعه في التصوير من خلال هزات الكاميرا القليلة جدًا والتي قد تبعث في نفس المُشاهد إحساس الأمر غير العادي وغير المباشر وصعب وصفه لما تعانيه نفس المريض النفسي من اضطراب قد يهلك بمشاعره ويؤثر عليها بشدة.

نهاية العمل لم تكن سعيدة كما أرادها الأغلبية، كانت مفتوحة إلى حَد كبير كما عَبر عنها البعض، ولكن إن باتت أنها لم تكن سعيدة فهي في حقيقة الأمر واقعية بشكل كبير، فهي تعبير مجازي لبحر النفس والمرضى النفسيين الذين لم يجدوا بر أمان لحكايتهم وصراعهم مع النفس البشرية واحتكاكها بالواقع، فعلى قدر رقة  أنفسهم وانسحابها من الواقع وأعبائه لتظل في مسكنها بالخيال كثيرًا، على قدر ما يتحدد مصيرها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد