الحرية هي الوجه الآخر للوحدة. والحرية لاتحصل عليها إلا بالهروب. الهروب من كل شيء: قيود العادات والتقاليد والقيم المتعارف عليها، الهروب من القيود الأسرية، الهروب من المكان ومن الزمان أحيانا. لكنك إن فعلت هذا ستشعر بوحدة أبدية لأن الغالبية العظمى من البشر يفضلون العبودية التي تشعرهم بالأُنس والأمان على الحرية التي تشعرهم بالوحدة والغربة. هذه المقدمة مجرد افتتاحية بسيطة لفكرة عظيمة تحدث عنها الفلاسفة منذ آلاف السنين وصورت في عدة أفلام.
هنا نأتي على ذكر ثلاثة من أفضل الأفلام في تاريخ السينما والتي ناقشت فكرة الهروب من السلطة أيًا كانت تلك السلطة سلطة الرب أو سلطة الدولة. 


لوك الساخر الملعون ذو الابتسامة الساخرة الذي لا يستسلم، لوك الذي يحاول دائما الهروب من السجن، لكنه يخفق دائما وتتم معاقبته، لوك الذي يشك في وجود الرب ويناديه تحت المطر «هيا افعل بى أي شيء، أثبت لي أنك موجود» وزملاؤه المساجين خائفون ينظرون إليه ويكمل لوك «فقط رجل واحد يقف تحت المطر محدثا نفسه».



وعند الهروب الأخير للوك يدخل الكنيسة ويحادث الرب مجددا يلومه على ما فعل به، يقول له «أعرف أنى رجل شرير قتلت أناسا في الحرب، سكرت، خربت ممتلكات عامة، لكنك لم تحسن إليّ منذ زمن طويل، يبدو أنك كتبت عليّ أن أعانى هذا الشقاء، أوتعلم؟ لقد كانت بداياتي ناجحة لكني تعبت ولست أدري متى سينتهي هذا الشقاء» وعندما يركع لوك على قدميه مطالبا الإجابة من الرب لا يأتيه رد فيقول «هذا ما اعتقدته، أعتقد الآن أن عليّ أن أجد طريقي بنفسي» ذلك المشهد الرائع الذي يفكرنا بما قاله السيد المسيح وهو على الصليب (طبقا للرواية المسيحية طبعا) لماذا فعلت بي ذلك؟ لوك تتم خيانته من أقرب المقربين كما تمت خيانة المسيح، ويقف على شباك الكنيسة مرددا مقولة مأمور السجن «ما نواجهه هنا هو فشل في التواصل» فالعبيد لايفهمون الأحرار والمتسلطون لن يتخلوا عن سلطتهم. وفي النهاية يصبح لوك قصة جميلة يرويها المساجين «العبيد» عن ذلك البطل الذي قاوم، قصة تسليهم لكنهم لا يحاولون محاكاة لوك والهروب فقد تمت السيطرة على مشاعرهم وزرع الخوف فيهم منذ زمن.





وطار فوق عش المجانين 

عن مكمارفي الذي حاول الهروب، على الأقل حاول.

الكل في هذا الفيلم مستسلمون سواء بإرادتهم أو غصبًا عنهم، إلى أن يهبط عليهم مكمارفي، يحدثهم عن الحرية، بل يجعلهم يشمون رائحتها ويخرجهم إلى البحر ويقيم لهم حفلة ماجنة، لكنهم مستسلمون وتلك اللحظات ليست إلا مجرد ترويح عن النفس، فالخضوع هو أساس حياتهم والحرية شيء كمالي نحن لسنا في حاجة إليه، فنحن نخاف من الوحدة ونحب العبودية التي تشعرنا بالأمان، في المستشفى التي تمثل العالم يوجد الفقير والغني، الأسود والأبيض، المثقف والجاهل، الطيب والمتنمر لكنهم جميعًا خاضعون للممرضة راتشيد التي تمثل السلطة التي يخاف منها الجميع وهي أيضا مصدر الطمأنينة، صاحبة الروتين الذي لا يُسمح لأحد باختراقه، ولكن هناك شخصان من الفئات المنبوذة مكمارفي الفوضوي والزعيم الهندي الذي يدّعي الخرس ولكنه يرى كل شيء ولا يتحدث إلا مع شبيهه مكمارفي ويخططان معًا للهروب، لكن بعد محاولة مكمارفي الفاشلة لقتل رأس السُلطة بعد أن تسببت في انتحار شاب، تتم السيطرة على مكمارفي وجعله قطعة لحم فقدت روح التمرد والثورة.


وهذا ما لم يعجب الزعيم الهندى فيقرر أن يُتم الخطة ويحرر مكمارفي بقتله، ففي الموت حرية أيضا، ويكسر هو الشباك ويهرب إلى الأفق.




الهروب من سجن شاوشانك

آندي دوفرينس المحاسب الذي يتم الحكم عليه بالسجن مدى الحياة بتهمة قتل زوجته، فيلقى به في سجن شاوشانك الرهيب الذي لا رحمة فيه لأمثال آندي، آندي مختلف عن الكل هنا، يتسكع في ساحة السجن وعلى وجهه ابتسامة غريبة وكأنه سيخرج غدا من السجن.


يعتدي عليه بعض المساجين يقاومهم مرات ومرات لكنهم أقوى منه، يظل على هذا المنوال إلا أن يحظى بحماية كبير الحراس لأن آندي دله على كيف يحتفظ بمبلغ ما ورثه عن أحد أقاربه بدون أن تخصم الحكومة منه سنتا، بعدها يعمل محاسبا لكل الحراس في السجن وحتى من خارجه في تقديم إقراراتهم الضريبية، ويقوم أيضا بغسيل أموال مدير السجن تحت اسم شخص لا وجود له إلا على الورق فقط، ويظل هكذا سنوات. يكون صداقات مع  «ريد» وغيره، ينجح في إقامة مكتبة بعد جهد سنين في إرسال جوابات لمكتبة الكونجرس إلى أن يستجيبوا له وتمضي حياة آندي، إلى أن يصل السجن شاب يخبره بقصة عجيبة وهي «أنه كان زميلًا لأحد المساجين الذي اعترف له بقتل زوجة أحد المحاسبين، ولكن الشرطة تلفق لزوجها القضية»، هذا المحاسب هو آندي الذي يذهب إلى مأمور السجن ويخبره بالقصة التي حكاها الشاب، فيحذره مدير السجن من التحدث في هذا الموضوع مجددا، وعندما يحاول آندي التمرد يتم حبسه في السجن الانفرادي لشهور ويقتل الشاب تومي وتغلق القضية ويعود آندي لعمله مرة أخرى في المكتبة ومحاسبا لدى حراسه ومدير السجن. إلا أن يأتي يوم يطلب فيه آندي حبلا من صديقه ريد الذي يخشى أن يكون آندي يريده ليشنق نفسه، ولكن تأتي هنا أفضل نهاية في تاريخ الأفلام، يصحو الجميع ليجدوا أن آندي هرب.


لقد كان آندي على مدار كل تلك السنوات الطويلة يحفر في الصخر طريقا للهروب، مغطيا تلك الحفرة التي في الحائط بصورة لريتا هيوارت ثم يستبدلها بصورة شهيرة لمارلين مونرو. هرب آندي إلى الشمس تاركا خريطة لصديقه ريد ليتبعه بعد إطلاق سراحه إلى المكسيك.

فيلم الخلاص من شاوشانك هو أحد أفضل الأفلام التي قدمتها هوليوود على الإطلاق، آندى الطيب البسيط استطاع الفكاك من السلطة بل تسبب في انهيارها عندما قدم أوراق غسيل الأموال إلى المحكمة وتم القبض على الحراس وانتحار مدير السجن.

الاختيار البديع لنجمات الإغراء ليغطي بهم آندي طريق هروبه هي رسالة عكسية، فالسلطة خلقت هؤلاء الفاتنات لتخدير الناس وصرفهم عن المطالبة بحقوقهم إلى المطالبة بكتف أو نهد أو مؤخرة لإحدى الفاتنات.

الفكرة التي تجمع الأفلام الثلاثة هي مطاردة الحرية، وفي حين فشل لوك ومكمارفي نجح آندي، لوك ومكمارفي صاخبان يثيران الانتباه والضوضاء ويرفضان الاستسلام للسلطة لذلك السلطة تتغلب عليهم لأنهم متهورون لكن آندي خدع السلطة وأوهمها بأنه مستسلم لها بل تعاون معها في فسادها، كانت لديه خطة الهروب لكن على عكس لوك ومكمارفي نفذها في صمت وهدوء، لذلك استحق فيلم الهروب من إصلاحية شاوشانك لقب أفضل فيلم في التاريخ من قبل المصوتين على موقع IMDB ليس لأنه أفضل فيلم على الإطلاق بل لأنه حقق ما لم يتم تحقيقه أبدًا على مدار التاريخ وهو التحرر من قيود السلطة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد