توقيف مجانية التعليم العالي في المغرب ضرورة محتمة

إن مشكلة التعليم في المغرب معضلة تاريخية تراكمت معها مشاكل اقتصادية، اجتماعية وسياسية؛ لأن التعليم هو ركيزة اقتصاد يُشجع على المقاولة والابتكار والإبداع، ولأن التعليم هو المدخل الرئيسي لمجتمع تسوده الكرامة والعدالة، ولأن التعليم أيضًا هو مفتاح الديمقراطية والرأي والرأي الآخر.

وإشكاليات التعليم في المغرب لا حصر لها؛ من توجيه تقليدي لا يعكس ميولات الفرد، من تكدس هائل هبط بالكيف إلى الحضيض، من مناهج لازالت تعتمد على أبجدية زَرَعَ وكَتَبَ وفرنسة التعليم -رغم أن الفرنسية أثبتت أنها ليست أكثر من لغة العطور وليست لغة العلوم- … إشكاليات تضعنا أمام تعليم وهمي وشهادات صورية للأسف.

في مقالي هذا سأسلط الضوء على مجانية التعليم العالي في المغرب، لأني أعتقد أنها هي السبب الرئيسي في أن أصبح لنا تعليم مُتاح كالماء والهواء، ولكنه تعليم ملوث وعكر.

رائع أن تقدم الدولة تعليمًا جامعيًا مجانيًا للجميع، لكن هل تساءلنا يومًا ما هل هذه الدولة فعلا قادرة ماديًا واقتصاديًا على تقديم هذه الخدمة العالية الطراز؟

علينا أن نكون صريحين مع أنفسنا، ونكف عن الشعارات الزائفة… أعتقد أنه حان الوقت كي نعيد التفكير في هذه النقطة بالذات: حق المجانية في التعليم الجامعي لا يُعطى بل يُنتزع.

حق المجانية يجب أن يرتبط بالعدد الذي تستطيع الدولة فعلا الإنفاق عليه، ويتم اختيار هذا العدد من المتفوقين، وتكون بذلك المجانية المتميزين.. أما البقية، فعليهم أن ينفقوا على تعليمهم من مالهم الخاص.

علينا أن نعترف أن الطاقة الاستيعابية والحقيقية لجامعتنا جد جد محدودة، وأن الاكتظاظ والتكدس يبعدنا عن المستوى المطلوب من مناهج مختصرة وأساليب تجريبية عصرية تعتمد على إثارة الفضول وطرح الإشكاليات ودعوة العقل إلى التفكير الحر problem solving.

إننا نتوفر على جامعات بمستوى مدارس ثانوي درجة ثالثة على حد قول الدكتور المفكر مصطفى محمود رحمه الله.

انا ضد مجانية التعليم في جميع المراحل، أنا مع مجانية التعليم في جميع المراحل المتفوقين والمتميزين فقط… أنا ضد الكمية ومع الكيفية.

إتاحة الفرصة لعدد محدود من الطلبة المتفوقين يعني إتاحة فرصة تعليم عالٍ ذي جودة، تسطيع الدولة تمويله بطريقة جيدة، تتماشى مع تحديات العصر الجديد وتحقق مطالب التعليم والتكوين المنشود. والرفع من جودة التعليم العالي سينعكس إيجابيًا على باقي المستويات وعلى مختلف مكونات المجتمع والاقتصاد.

ولعله حل قد لا يروق للأكثرية التي ستتكلم عن تكافؤ الفرص بالنسبة لأبناء الطبقات الفقيرة والمتوسطة، ولكن ألم تثبت هذه الفئة جدارتها في مرات عدة، فشاهدنا المراتب الأولى الشرفية لأبناء الفقراء، إذن لم الخوف؟ ومن لم يصنع منه الفقر تميزًا، لا عزاء لنا فيه. لم يعد هنالك متسع للوقت للانتظار ولا متسع مكاني لاستيعاب التذبذب في  المستوى.. البقاء للأكثر تميزًا فقط.

لقد منحنا الفرصة للجميع ولم نجن أي ثمار تستحق الذكر. سوى خريجي جامعات يفوق عددهم حاجيات سوق العمل ولا يرقى مستواهم إلى تطلعاته.

لنجرب إذن مفهوم النخبة المتميزة والقادرة على التنافس وإعطاء أحسن ما عندها.. المحدودية تخلق جوًا مناسبًا للعطاء والإبداع.

ورغم المعارضة، إلا أن لا أحد يستطيع أن ينكر أن هذا الحل من شأنه أن يوقف مهزلة الجامعات المغربية التي أصبحت موطن تعليم عالٍ شفوي بامتياز، وأستحضر هنا ما قالته لي إحدى صديقاتي حديثة التخرج  من كلية الطب «كدت أن أتخرج دون أن أخيط جرحًا».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد