احتفل المحتلّ بعيد اغتصابه لأرض شعب حرّ الروح أسير الأرض بقرابين من أرواح أبنائه. استمتع جنوده بإطلاق رصاصاتهم عشوائيًّا نحو صدور قلوبها حية لم تمت، نِعم حياتهم في معانيها تحمل قيمًا حقيقية رغم خيانة ملايين وجودهم يُسائل نفسه عن قيمته للبشرية!

الخذلان يؤلم أكثر من الرصاص، والموت على يد العدو هو أرحم من الحياة مع قريب خائن بالدليل والممارسة. قد يقول قائل أن رجاء العون من شعوب لا تملك حريتها طلب للمستحيل وهو صادق، لكن هذا يجعل فلسطين أهون كوطن، فعلى الأقل مغتصبها غريب وعداؤه واضح. والفرق بين الأمس القريب واليوم، أن الخيانة صار لها صوت يعلوا دون استحياء، والرقص على جثث إخوة القضية خرج من الغرف المظلمة وصار مباحًا بوجوه مكشوفة.

قبل أن نتخد المواقف، على كل منا أن يغمض عينيه ويتساءل، ماذا لو ولدت عربيًّا على أرض فلسطين؟ ما حياتك وما كانت لتكون مواقفك؟ أكنت ستؤمن بالهزيمة قدرًا وتمد يدك لمغتصب أرضك ولو مواطنًا من درجة رابعة لتملأ جيوبك شيكلا وتعيش في أمان لا يضاهي أمان القبور الحتمي قيمة؟ أم ستؤمن بقدرة سلطة تفاوض منذ عهود على المزيد من الخسائر، وتسلم بتعاونها الأمني مع المحتل رقاب الكثيرين من أهلك إلى سجونه، وتتفرج على سجن كبير اسمه غزة أحيانًا بشماتة لمجرد أن التنافس في الرؤى السياسية حقيقي، وتطلب طول العمر لرئيس لا وطن له، ورث السلطة وينتظر توريثها لمن يراه خير خلف له في سياسة الخضوع، وتدين بالتقدير لمسؤوليه الذين يستمدون ثبات ربطات أعناقهم من استمرار القضية في مسارها المغلق؟ أم أنك ستستثمر حياتك في مشروع هجرة يبعدك عن أصوات المعاناة بعيدًا لتحمل هويتك وجراحها إلى بلد آخر قد يحتضنك مساهمة في نسيان قضيتك؟ أم أن إيمانك بعدل الله الفطري بين خلقه سيجعلك تجعل من مقاومة المحتل رسالة لحياتك ومولدًا لنبل معناها؟ السؤال هذا لو طرح على نتنياهو نفسه وأجاب من عمقه الداخلي لاختار دون تردد حياة المقاومة، فمن المنطقي أن القتالية بالشكل الذي يميزه وهو مدرك على أنه على باطل ستكون أكثر شراسة لو وجد في الجهة المقابلة وهو موقن بأنه على حق.

الصراع التاريخي الذي عرفته القدس باعتبارها مدينة كانت تنهيه العزيمة والإرادة ودرجة الإيمان بالقضية. وهو نفس ما تعيشه اليوم تمامًا، طرفان يقاتلان بكل قواهما، الأول حتى يشرعن اغتصاب أرض اختارها وطنًا له، وحضّر العدة لغزوته سنين، وتمكن من صوت القرار وسيادة المال في معظم مناطق العالم حتى يحقق هذا الهدف، وطرف ثان خرج من احتلال لاحتلال دون أن يتنفس الصعداء، فوجد نفسه دون قدرة على مواجهة قوة السلاح أمام صمت عالمي لا يمكننا ألا نرى انحيازه. وما يزيد هذا الواقع قساوة أن الأمة التي تؤمن بعدالة القضية انصرفت لحل مشاكلها ومنها من بات يرى في حلول مشاكله تغيير مواقفه ومحاولة رؤية الزيف حقًا.

وهنا بات من الأساسي أن نقول وبكل صدق أن صلاة الغائب صارت إلزامية على شعوب عربية لا تستحق شرف الدفاع عن القبلة الأولى لدين غالبيتها. أما من يفتون باسم الدين بوجوب وهب الأرض لأصحابها على اعتبارنا مجرد مغتصبين لها في السياق التاريخي، فهؤلاء لهم دينهم ولنا دين، وهم أشد بغضًا لهذه الأمة وخطرًا عليها من باقي أعدائها. ويبقى الشعب صاحب الأرض رمز نضال حقيقي لكل ضعاف العالم في كل مكان، خصوصًا أولئك الدين يعيشون في أوطان بقيمة لا تتعدى إحصاءهم في عدد السكان.

في مطلع الشهر الكريم نخصص دعواتنا لطلب النصرة للمظلومين من أهل القبلة الأولى للمسلمين، نرجوه أن يثبت قلوبهم على حريتها، وأن ينهي معاناتهم في مسيرة استرجاع حقّهم، ولا نامت أعين أهل الخذلان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

رأي, سياسة, فكر
عرض التعليقات
تحميل المزيد