هل الإنسان مخيّر أم مسيّر؟ سؤال ينشأ عنه خلاف أينما طرح.

لكي نبدأ حديثنا عن الإرادة يجب أن نُعرف ماهيتها أولًا، وكيف تكون حرة، وكيف لا تكون!

• الإرادة كما عبر عنها الفيلسوف الألماني الشهير «فريدريك نيتشه» في كتابه (غسق الأوثان)، هي تلك النتيجة الحتمية لاتحاد فكرة ما مع الرغبة في تحقيقها.

وإذا ما اتفقنا على مثل هذا التعريف وجب أن نذكر دليلًا على صدقه ببعض الأمثلة التجريبية.

تعتبر إرادتك في أن تمسك بالهاتف مثالًا سهل الشرح، وهي التي تتكون من فكرة الإمساك ذاتها،  ورغبتك في فعل هذا، وهذان الاثنان يشكلان إرادتك في أن تمسك بالهاتف.

• إذًا كيف تكون الإرادة حرة؟

تكون حرة حال كونها نتيجة غير حتمية، بتعبير آخر: ألا تكون الإرادة رد فعل حتمي على مؤثر خارجي.

كمثال بسيط، صدمت سيارة أحد الأفراد على الطريق، ونتج عن هذا صراخه من الألم، لا ينبع هذا الصراخ عن إرادة حرة، فهو نتيجة حتمية للصدمة، لا نختار ما إذا كانت ستحدث أم لا، فهي تنتج عن مؤثر خارجي بشكل لا يدع إمكانية تحقق احتمال آخر. «المثال للتوضيح وحسب».

الحجة التي تتردد كثيرًا للدفاع عن حرية الإرادة أننا لدينا شعور بإرادتنا ونشعر أيضًا بأنها حرة.

ومثل تلك الحجه ضعيفة أمام الحجج التي يقدمها العلم ضد «حرية الإرادة»

لننتقل إذا إلى الطرف الآخر، الطرف الذي ينكر حرية الإرادة ويعتبرها وهمًا.

الإنسان يشبه روبوت مبرمج على القيام بردود أفعال محددة دون أن يختارها.

نحن نتعرض إلى أشكال مختلفة من التربية، ونتيجة لهذه التربية تتكون شخصياتنا، فنحن لا نولد بوعي كامل عما يدور حولنا أي البيئة، بل يتشكل هذا الوعي حسب ما نتأثر به «عبر التجربة».

فإذا ما كانت التربية شديدة وقاسية، سنجد رد فعل محدد لنرمز له بالرمز «س».

سنجد أن «س» يتكرر بكثرة على فترات زمنية طويلة حتى يُصبغ به الفرد ويصبح صفة فيه، «س» هذا الذي يعتبر صفة للفرد لم يكن من اختيار الفرد، بل أصبح صفة فيه بسبب التربية القاسية، وهذه الصفة «س» ستحدد بعض أفكاره وردود أفعاله المستقبلية على مؤثرات مختلفة، أي أن ردود الأفعال تلك ليست من اختيار الفرد، بل كانت موجودة قبل حتى أن يفكر في أن يختار، كانت موجودة بشكل قبلي في عقله.

ومع مرور الوقت نصبح جزءًا من بيئة اجتماعية تؤثر علينا، أصدقاؤنا «كمثال» نتأثر بهم؛ لأن المخ البشري ماكينة بارعة في التكيف، مهما تغيرت المؤثرات، ونتيجة لهذا تتغير شخصياتنا بمرور الوقت حال تعرضنا لأحد المؤثرات بشكل متكرر على فترات زمنية طويلة، الأمثلة لا تحصى.

أحد المعضلات الشهيرة في هذا الموضوع هي معضلة الزومبي.

تخيل روبوت مبرمج على ردود محددة، تهدف إلى جعله قادرًا على الإجابة عن الأسئلة كما نجيب نحن البشر.

فمثلًا إذا ُسئِل بخصوص كونه يختار ما يريد فعله أم لا، يجيب: أجل. وهكذا مع زيادة هذه الأسئلة وإجاباتها سيكون قادرًا على الإجابة مثلنا نحن البشر، وهنا نطرح تساؤلًا كيف نعرف أننا لسنا روبوتات؟

نحن نعلم أنه روبوت، لكن كيف نتأكد من أننا لسنا مثله مررنا عبر العديد من الأمثلة، ونتيجة لها أصبحنا أسرع وأكثر كفاءة في الإجابة على ذات الأسئلة.

• لندخل السببية في المعادلة.

إذا كان في وسعنا أن نفسر كل ما نقوم به في شكل أسباب ونتائج، سوف تتلاشي حرية الإرادة كونها في تلك الحالة ليست سوى نقص معرفة بالأسباب والدوافع.

فإذا فسر أحدهم اختيارك لفعل شيء ما بشكل نتيجة حتمية، أي كما ذكرنا سابقًا حادثة تسببت في صراخ، تتلاشي حرية الارادة – حرية إرادتك في هذا الفعل – لتصبح وهمًا؛ لأن الاختيار كان نتيجة حتمية.

وإذا ما طبقنا نفس المبدأ على كل شيء تتلاشى حرية الإرادة تدريجيًا «لأن كل نتيجة لها مسبب حتمي واحد».

• ماذا عن علم النفس العصبي؟ تحديدًا أشهر تجارب علم النفس العصبي، وهي تجربة بنيامين ليبيت، عام 1980، في جامعة كاليفورنيا. وضع المشاركين في التجربة على جهاز يقيس موجات الدماغ، ومع انتهاء التجربة ظهرت النتائج «المخ يقوم بتحديد الاختيار قبل أن نعي بما سنختار».

تفاصيل التجربة:

يتم إدخال المشاركين في غرفة بها ساعة تدور حول نقطة، ويطلب من المشارك أن يحرك أصبعه متى شعر برغبة في هذا، ولقد استطاع الجهاز تحديد نشاط دماغي قبل أن يقوم المشارك بشكل واع بتحديد ما إذا كان سيرفع أصبعه أم لا.

السؤال الذي يجب أن يطرح.. هل اختار المشارك رفع أصبعه؟ أم أنه حدث دون أن يعي الأمر؛ مما يعني أنه لم يختر رفع أصبعه؟

لكن ما الذي تعنيه نتيجة تلك التجربة فلسفيًا؟

لقد كانت نتيجة التجربة تلك صادمة فهي تعني أن الاختيار الذي نقوم به يسبق إرادتنا الشخصية في أن نختار القيام بالأمر! أي أن الإرادة – الشخصية – التي نشعر بها ليست هي التي تحدد اختيار دون الآخر، بل يتحدد هذا الأمر بشكل غير واع.

إذا كانت شخصياتنا وردود أفعالنا ليست أمورًا قمنا باختيارها، وإذا كان الاختيار مجرد حدث حتمي، لماذا إذا يعاقب المجرم وهو لم يختر ما يفعله بشكل واع؟ وكذلك لم يختر أن يصبح بهذه الهيئه!

أترك لكم الإجابة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد