إن صوت حركة بندول الساعة، إذا لم تعطه أي اهتمام، فإنه لا يمثل لك أي إزعاج، إما إذا انتبهت لهذا الصوت، فإنك لن تسمع سواه، وسوف تدرك مدى الإزعاج الذي يمثله، مما سيفقدك القدرة على التركيز أو التفكير في أي شيء آخر، ولكن بمجرد أن تبعد هذا الصوت عن مجال انتباهك؛ فإنك ستجد انه لا يمثل لك أي إزعاج، وذلك لأنك أصبحت معتادًا على الاستماع إليه.

من هنا كانت النهاية، لكن سرعان ما وجدت أنها مجرد بداية؛ فخروجي من ناحية ما هو إلا دخول إلى ناحية أخرى، لطالما كنت أنفر من مقاعد الدراسة، وأضجر منها، لا لشيء، سوى أني كنت مقيدًا بنظام، مكبلًا وأسيرًا أشبه بإنسان منعته من التنفس داخل نهر من الماء.

نعم، إنه ذلك المتنفس العقلي، ذلك الفضول الفطري الذي يسمح لخيالك بالجَوَلَان، ولاستقصاءاتك بالتنقيب، ولأسئلتك بالاستفزاز.

فلطالما لم أر ذلك التقيد عذرًا، لكن أراه أشبه ببذرة تزرع فينا دون وعي وإدراك. تنمو يومًا بعد يوم، فنندهش عندما تثمر لنا عقولًا مسطحة وأوعية تملأ بداخلها أفكار وقناعات، دون أن نمتلك مصفاة أو غربالًا تنقَّحُ فيها إيرادات ومصادر المعلومات. تتعجب من كونك أصبحت شُوفونيا ورجعيًا، والأدهى من ذلك سفسطائيًا بأفكار غيرك.

مع مرور الوقت والتحرر النسبي يتضح لي أن الإنسان الذي يعتاد النوم في الضجيج يوقظه الصمت، وأن السؤال السخيف هو أول إشارة على التطورات الجديدة.

حياتنا هي مجموعة قراراتنا وقراراتنا نابعة من قناعاتنا التي سلَّمنا لها عقولنا أو بالأحرى اتخذنا موقفًا من خلال استقصائنا، وطرح أسئلتنا وإثارة شكوكنا لمحاولة فهم ما حولنا وما يدور في فلكنا.

ما أريد الوصول إليه والاستفسار عنه هو مدى امتلاكنا للسان سؤول وعقل شكاك ونزعة فضولية لا ترضخ بالعوامل الخارجية ولا بالمثبطات الداخلية ولا بالخطابات العاطفية. أريدها نزعة فضولية في قلوبنا وإعطاء الوقت والرضاعة اللازمة للطفل بداخلنا من أجل أن ينمو.

نعم ينمو من خلاله وعينا واستبصارنا لحقيقة سلوكياتنا وقراراتنا، فالإنسان الفاشل أو بالأصح المتعثر مهنيًا أو دراسيًا أو عائليًا، ألا يطرح أسئلة عن سبب التعثر، ويحاول مرارًا وتكرارًا للتوصل إلى إجابة.

كذلك المنحرف، أو بالأصح الغافل، صاحب زلّة، سواء كانت دينيًا أو أخلاقيًا، ألا يطرح سؤالًا عن مدى نجاعة ذلك الحل الذي اتخذه للمشكلته التي تجنب مواجهتها. أو مدى توقع سلامة صحته الجسدية أو صفاء قلبه، ونقاء سريرته تمهيدًا للقاء ربه من خلال قراره الذي اتخذه وانتهجه. كذلك صاحب العقل الجمعي والدغماتي، ألا يرى من نفسه صاحب أمانة ربانية، وميزة خلقية.

فأنا أتعجب أحيانًا من نفسي وأحيانًا من الآخرين، عندما يكون التسليم والتعطيل شعارًا لعقولنا وتوجهاتنا، فنبتذل المعاني، وندفن الحقائق ونغض البصر عن العالم حولنا.

أتعجب ممن يرون من استخدام العقل كفرًا أو مجرد إرهاقًا للأنفس وطريقًا للهلاك والإلحاد، والقرآن والسنة أشار في أكثر من موضع للاستخدام العقل والتأمل والاستبصار وأعطى مساحة للاجتهاد، وحتى إن أخطأ، فيكفي أجر المحاولة والاجتهاد.

حتى لا أبتعد كثيرًا عن المضمون لا أريد أن أحصر مفاهبمي في الدين والأخلاق فقط، وإن كانا مهمين، وضروريين، لكن الدائرة أوسع وأشمل من ذلك، فيكفي أن نعيد النظر في تفاصيل جوانب حياتنا كلها، ومتيقن أننا سنندهش من كثرة الفراغات التي ينتظر سدها.

لذا فأنا أعتقد أن النزعة التقليدية واتباع الأغلبية والعقلية الرجعية كانت ولاشك مساهمة في تعجيز وتعتيم وتثبيط فتح نافذة تطل على العالم، فهي أشبه ببوابة كانت ولاتزال ملاذًا للعارفين والمفكرين والنبهاء بعيدًا عن الحمقى والبلداء، قد يرفض أي واحد منا أن تأكل وتنام عوضًا عنه، لكن لماذا لا يرفض أن يفكر غيره بدلًا عنه.

اعذرني أيها القارئ فأنا أحترم اليقين، ولكن الشك هو الذي يدفعني إلى التعلم، فإن لم تغامر بشيء، لن تكسب شيئًا وإن لم تقف لشيء ما، ستقع فريسة أي شئ. لذا سأطرح أسئلتي الفوضوية والطفولية، سأحرر عقلي المملوء بالمعاني والمفاهيم العقيمة، سأستبدل قناعاتي كلما سنحت لي الفرصة، واكسر شوائب الحجارة التي علقت في ذاكرتي.

سأتمكن من رؤية العالم بعقل غير متحجر ولا متقوقع، نعم سأحرر عقلي المتحجر، وأُنَمِّي في قلبي نزعة فضولية.

سأمتلك روحًا إبراهيمية ونفسًا موسوية، وأمضي حقبا بحثًا عن العلم والمعرفة؛ علِّيَ أحظى بإجابات يقينية وتغيرات مفاهمية وسلوكية، ولم لا فقد أكون مساهمًا في تقديم إضافة للبشرية.

وفي الأخير تثمينًا وتعقيبًا من أحد الأساتذة إذ يقول: يجب أن نفرق بين المبادئ الأفكار، فالمبادئ ثابتة لا تتغير، ولا تقبل نظرية النسبية ولا مساومة عليها، وهى ضمانة للتميز والخلود، أما الأفكار فهى منتج بشري لا نقاتل عنها، نقبل منها ونترك والحكمة ضالة المؤمن. فقد نختلف، لكن لا يجب أن نتخلف. ومن المهم أن نختلف، لكن الأهم أن نحافظ على مساحة الود بيننا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد