الحرية هي رفع تسلط العبد على العبد، وتسلط النفس والهوى على العبد، وهي الاستسلام الواعي لسنن الكون والشرع. إنها ليست فعل المعاصي وما تمليه الأهواء، وإنما هي فعل الطاعات والواجبات الذي أمر الله بها ليتحرر الإنسان من أهوائه ومن تسلط العباد عليه، وهي لا تنفصل بحال عن المسؤولية. إنها ذلك الإحساس اللطيف بعدم وجود قيد لعمل أي شيء لا يخالف دين الله ومبادئه. فالإنسان المستخلف في الأرض والذي تحمل الأمانة، أمانة الخلافة في الأرض والتلقي عن الله سبحانه وتعالى والعمل بموجب شروط الخلافة، لا يمكن أن تتم تكاليف هذه الخلافة والاستخلاف إلا بتوفرالعقل والحرية وهما مناط الأمانة التي خافتها بقية المخلوقات، وشرف الله بها الإنسان، قال سبحانه وتعالى: “إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا” الآية. وهذا التكريم الإلهي للإنسان كان لأنه قائم على الاختيار بين إرادتين؛ إرادة عبادة الله وحده، وإرادة التمرد والعصيان والفسوق. وقيل إن الحرية هي إطلاق قدرات الإنسان ليعيش بشكل طبيعي.

إن الحرية بمفهومها الشامل جزء من معاني (لا إله إلا الله) فلا يستحق الخشوع والطاعة والخوف والرهبة والرغبة سوى الله، وما سواه فبشر كلهم من أب وأم، فلا طاعة ولا تعظيم ولا خوف من مخلوق مهما علا قدره وعظم شأنه، الجميع عبيد لله وأحرار مع من سواه، وفي ذلك انظر إلى قول الله سبحانه وتعالى في سورة النحل الآية 51: “وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فإياي فارهبون”.

هناك قيمة عليا لمفهوم الحرية في مبادئ الإسلام وفي الفكر الإسلامي، فالقرآن والإسلام جاء ليضع عن الناس إصرهم والأغلال التي كانت عليهم. وإن الذين يكتوون بنار الاستبداد أولى بتأييد نشر الحرية في المجتمع، وهم أولى بأن يكونوا أول المدافعين عن هذا المبدأ الإسلامي والإنساني العظيم.

إن الحرية مقصدٌ من مقاصد الشريعة الإسلامية ولا يشك في ذلك باحث منصف، ذلك أن الشريعة توجه الإنسان المسلم لكي يعيش حياة حرة نظيفة مرتبطا بالله الذي خلقه، بعيدًا عن العبودية لغيره؛ ولمّا كانت الحرية بهذه الأهمية؛ فهي بذلك مقصد عظيم من مقاصد الشريعة، وأحد دعائم التوحيد.

إن الله خلق العبد ووهبه الحرية وألزمه بالتوحيد، فمن فرط في الحرية فقد فرط بعبودية الله؛ بأن جعل من نفسه عبدًا لغير الله، مخالفًا لما فرض الله عليه. وهذا من أسباب تعذيب المستضعفين الذين يُسألون يوم القيامة، الذين عرفوا بأنهم ظالمو أنفسهم، قال الله سبحانه وتعالى: “إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم، قالوا فيم كنتم، قالوا كنا مستضعفين في الأرض. قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها، فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا”. النساء 97، لقد استحقوا العذاب لأنهم فرطوا بجناب التوحيد الذي هو خلاصة الحرية وعمودها؛ فمن أساسيات هذه الحرية توحيد العبودية لله، لكي لا يتحكم مخلوق بآخر مثله، بعد أن وهبه الله الحرية وعلمه صيانتها بالهجرة والضرب في أرض الله الواسعة، لقد آثروا البقاء تحت استبداد الكفار، فلم يبادروا في الهجرة إلى أرض الله الواسعة.

كريستيان باكر أخت زوجة طوني بلير رئيس الوزراء البريطاني الأسبق وأشهر إعلامية اعتنقت الإسلام، على الرغم من عملها في قناة تمثل أكبر بيئة لليبرالية وأساليب الحياة الغربية المنفتحة بلا حدود، قالت تعليقًا على إسلام لورين بوث، إن ما دفعها إلى الإسلام هو الهروب من مجتمع تسمح فيه الحرية بفعل كل شيء بلا قيد، ثم أردفت: “نحن في الغرب نشعر بالإجهاد لأسباب تافهة كنوع الملابس التي يتعين أن نرتديها، ولكن في الإسلام نتطلع في كل شيء إلى هدف أسمى وهو إرضاء الله، وهو نظام قيمي مختلف تمامًا”. أرأيت هذا الفهم الرائع للحرية في الإسلام؟ والتي من معانيها ما أشارت إليه كريستيان، إنه تحرر من عبودية تصاميم الأزياء، ونظرة البشر إلى الآخر من خلال نوع اللباس ونوع الحياة ونمط المعيشة.

هناك من يسلب الحرية بصناعة الغباء والعبودية والاستبداد؛ لقد جرّب مجموعة من علماء الاجتماع ذلك بعمل البحث التالي: وضعوا 5 قرود في قفص واحد وفي وسط القفص وضعوا سلّمًا وفي أعلى السلم وضعوا بعض الموز. وكانوا في كل مرة يصعد أحد القرود لأكل الموز يرش العلماء باقي القرود بالماء البارد. بعد فترة بسيطة أصبح كل قرد يصعد لأكل الموز، تقوم بقية القرود بمنعه وضربه حتى لا يُرشوا بالماء البارد. بعد مدة من الوقت لم يجرؤ أي قرد على صعود السلم لأخذ الموز على رغم إغراء الموز اللذيذ خوفا من الضرب. بعدها قام العلماء بتبديل أحد القرود الخمسة ووضعوا مكانه قردًا جديدًا، أول فعل قام به القرد الجديد أنه صعد ليأكل الموز، ولكن الأربعة الباقين ضربوه وأجبروه على النزول. بعد عدة مرات من الضرب فهم القرد الجديد بأن عليه ألا يصعد السلم مع أنه لا يدري ما السبب. قام العلماء أيضا بتبديل أحد القرود القدامى بقرد جديد؛ فحل به ما حل بالقرد البديل الأول حتى أن القرد البديل الأول شارك زملاءه بالضرب وهو لا يدري لماذا يضرب. وهكذا حتى تم تبديل جميع القرود الخمسة الأوائل بقرود جديدة، فصار في القفص خمسة قرود لم يرش عليهم ماء بارد أبدا، ومع ذلك يضربون أي قرد تسول له نفسه صعود السلم بدون أن يعرفوا ما السبب. لو فرضنا وسألنا القرود لماذا يضربون القرد الذي يصعد السلم؟ سيكون الجواب: لا ندري ولكن وجدنا آباءنا هكذا يفعلون. وهكذا يصنع الاستبداد والعبودية وإخضاع الشعوب، وربما كان لهذا الاستبداد والإخضاع مسمى ذا طابع ديني، والدين منه براء. أو ربما كان هذا الاستبداد بدعوى توفير الأمن للمجتمع، ولكن من يريد مجتمعًا آمنًا عليه أن يفسح بالحرية.

لقد أصبحنا في ظل الاستبداد تحت السوط عبيدا مجلودين، لا قيمة لنا ولا رأي ولا كلمة، كل واحد منا عليه آخر منا ليتجسس عليه، ويعدَّ أنفاسه، حفاظًا على عرش الاستبداد وكرسيه.

إن الذين يظنون أن الشريعة ما هي إلا نواهٍ وزواجر وعقوبات وحد من حريات الناس، أولئك عن الشريعة مبعدون، ولفهمها وفقهها مفرطون، ولمّا كان هذا هو المفهوم السائد عن الشريعة في العالم الإسلامي، فقد حرمنا جميعا فضل الشريعة والحرية في حياتنا، لقد عاقبنا الله بالحرمان من كليهما.

جاء في الحديث القدسي: “وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها” رواه البخاري.

ومعنى ذلك أن العبد ما تقرب إلى الله إلا ارتقى إلى أفق أرحب من الاقتدار والحرية، وانفتحت أمامه أبواب أخرى للخير ومغالبة الضرورات التي تعترض طريقه.

بعض الباحثين المسلمين لا يرون مبحث الحرية إلا مقرونا بموضوع القدر، وبمثل هذا التفكير والرأي الخطل جلبوا علينا نقمة الاستبداد؛ فالحرية كالشورى تعززت أدلتهما، فهما صنوان لا يستمدان مشروعيتهما من مجرد نصوص جزئية، والحرية عدّت مع العدل من مقاصد الشريعة، إضافة الى المقاصد الخمسة المشهورة، وهي حفظ الدين والنفس والعقل والعرض والمال. وهذا يوجِب أن تكون الأمة حرة، في كل جوانب حياتها، فقد جاء في الحيث الشريف الذي رواه ابن حبان قوله صلى الله عليه وسلم: “إن الله تجاوز لأمتي عن ثلاث؛ الخطأ والنسيان والإكراه”؛ إذ أسقط الله سبحانه وتعالى وهو اللطيف بعباده كل تكاليف الشرع في غياب العقل والعلم والحرية.

وينبغي العلم ألا خوف على الإسلام من بعبع الحرية الذي صنعه ونفخه المستبدون، بل يجب تعزيزالحياة وإطلاقها، إنما الخطر من الاستبداد ، من فرعون وقارون؛ أرأيت كيف أوجز الله سبحانه مهمة نبيه ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم في آية من كلمات: “ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم” (الأعراف 157) فالدين جاء لكسر الأغلال التي تكبّل النفوس والعقول والأجساد وتفرض استعباد الإنسان لأخيه الإنسان تحت مبررات شتى.

إن مجد الأمة قائم على مجد الأفراد، واجتماع هؤلاء الأفراد لتشكيل العمل الجمعي والعقل الجمعي، ومجد الأفراد قائم على الإيمان العميق، والفكر المستنير، والعمل المثمر، والأخلاق المتزنة، والتحلي بالحرية والايمان بها، باعتبارها قيمة ايمانية وحضارية، وهذه من قواعد الوسطية التي كرم الله بها أمة الإسلام وجعلها شاهدة على الناس في حياتهم وبعد مماتهم. ولما كانت بهذه القيمة العظيمة فهي تستحق الجهاد من أجلها؛ فبالجهاد الواعي يحقق البشر ما يبدو مستحيلا في الحياة. والأمة الخانعة التي لا تستلهم الحرية، هي أمة أولى أن تموت، وتحرم من أن توصف بأنها خير أمة أخرجت للناس، أو كأمة حضارية في مصاف الأمم التي تصنع التاريخ، ويحضرني هنا قول الرئيس الأمريكي بنجامين فرانكلين أحد الآباء المؤسسين للولايات المتحدة: “من ضحى بالحرية من أجل الأمن لا يستحق أيا منهما”.

عندما فهم سلف هذه الأمة التوحيد عرفوا بذلك معنى الحرية وأهميتها لكل رعايا الدولة الإسلامية، فلا يوجد ما يبرر العبودية لأحد غير الله سبحانه وتعالى في أي بقعة في هذه الدولة، ولقد تجسد هذا الفهم للحرية باضطرار الخليفة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يستدعي حاكم مصر عمرو بن العاص إلى المدينة لأن ابنه ضرب ابن القبطي الذي كان يسابقه وسبقه، لقد كان المشهد مهيبًا يوحي بالحرية والعدالة، وأن الإسلام أقام وطنا يتساوى فيه ابن الاكرمين مع ابن القبطي، إذ أخذ عمر رضي الله عنه العصا وأعطاها للقبطي، وأمره أن يضرب ابن الأكرمين، وأن يبدأ بأبيه الأكرم؛ لأنه لولا سلطانه وحكمه وخوف الناس منه لما تجرأ ابنه على ضرب القبطي.

ثم قال مقولته المشهورة التي كتبها التاريخ بماء الذهب: “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتم أحرارا”، لقد استدعت أهمية إقرار هذا المبدأ العظيم، مبدأ الحرية والعدالة في قلوب مواطني الدولة الإسلامية، مسلمهم وذميهم أن يستدعي الخليفة واليه على مصر، وليتجشم الأخير عناء السفر حتى يصل وابنه إلى المدينة المنورة حاضرة الدولة الإسلامية حيث الحق والعدل والحرية.

إن الحياة المبنية على الحرية والحياة المدنية المستقرة التي بناها أهل السنة على مر العصور، واستقرار الأقليات وتمتعهم بحقوق كاملة كمواطنين في دولة الإسلام هي التي جعلت المؤرخ المشهور نقولا زيادة المسيحي الفلسطيني يقول: “أنا كمسيحي أخشى على الدولة الأموية من الرياح الشيعية القادمة من إيران” عندما تحدث عن دور الفرس في إسقاط الدولة الأموية، رغم الكثير من الاستبداد الذي كان يمارسه بنو أمية.

إن الخنوع والاستبداد الذي تعيش فيه أمتنا أحد أسباب تسلط اليهود علينا. إن كبار قادة أجهزة المخابرات الاسرائيلية يرون أن هناك علاقة وثيقة بين هيمنة الأنظمة الديكتاتورية في العالم العربي وبين استعداد المواطن العربي على السقوط في حبائل المخابرات الاسرائيلية، وقبول عدد كبير منهم للعمل لصالح هذه المخابرات. يقول رافي إيتان الذي شغل منصب قائد وحدة تجنيد العملاء في جهاز الموساد المعروفة بـ “قيساريا” في حديث مع التلفزيون الإسرائيلي بتاريخ (15/2/2006): إن وجود أنظمة حكم شمولية في العالم العربي سهل على الموساد تجنيد العملاء من العرب. ويفسر إيتان ذلك بالقول أن وجود أنظمة حكم قمعية تقتل الشعور بالانتماء لدى المواطن العربي، هذا يوفر البيئة المناسبة لتجنيد العملاء من أوساط العرب. وهذا الذي أظهرته وثائق وكيلكس، فقد جاء فيها أن كثيرًا من الحكام والمواطنين العرب يتبرعون في الاتصال بالأمريكان من خلال سفارات أمريكا، وإعطائهم معلومات في غاية الأهمية.

وبعد فإن مبحث الحرية عامة وفي الإسلام خاصة مبحث عظيم وخطير، يكتسب عظمته وأهميته من مبدأ التوحيد الذي هو أساس الإسلام وعموده، إذ الحرية جزء من التوحيد؛ لذا يقتضي التنويه عندما نتعلم وندرس التوحيد، فلا ينبغي أن ننسى الحرية وربطها بذلك الرباط المقدس، رباط التوحيد.

هل وصلك نبأ أولئك الرجال العظام الذين عشقوا معاني الحق والعدل والحرية، كالإمام أحمد بن حنبل والإمام ابن تيمية، وغيرهم الكثير، لقد بالغ الإمام الشافعي رحمه الله في حفظ حقوق المرأة، ومما يؤثر عنه أنه قال: “لا ينبغي للزوج المسلم أن يعرض الإسلام على زوجته الكتابية لأن في ذلك انتهاكا لحقوقها”. لقد كانوا مثل الشمس كلما قربت من المغيب كبرت وعظمت، كما كان الإمام أحمد يقول لمخالفيه: “موعدنا يوم الجنائز”. لقد عاشوا وماتوا دفاعًا عن الحق والعدل والحرية، أولئك وأمثالهم هم صناع التاريخ والحضارة.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الحرية
عرض التعليقات
تحميل المزيد