بعيدًا عن هذا المفهوم التقليدي الذي تنحصر كُل معرفتنا عنه في كلمات كالحرية السياسية، وحرية الرأي، وحرية تكوين الأحزاب، وغيرها الكثير مما جعل من هذه الكلمة قيمة، ومبدأ سياسي بحت وفقط في عقولنا، فهلا توقفنا وتأملنا أحوالنا.

أنحن أحرار حقـًا؟ في بيوتنا وسلوكياتنا البشرية المعقدة، من أين منبع القرارات التي نتخذها. بإرادة كاملة أم بقهر الظروف ومصائب الدهر؟ هل سيختلف الأمر عما إذا كانت الحرية شخصية مفردة وليست حرية جماعية؟ أهي حرية الاختيار أم حرية التقدير والسياسة؟ هل لحريتنا حدود وخطوط حمراء لا يمكن تَعديها وماذا ستصبح حينئذ؟

انتبهت ذات مرة إلى كتابة أحدهم مُستنكرًا ومُتعجبًا أشد العجب من شخص يقوم بالتدخين في نهار رمضان وهو يحاول أن يُخبئ نفسه فلا يراه أحد، ولكن لم يكن من الذكاء الكافي حتى لا يراه صاحبنا الذي يروي وهو يشعر بالغضب والخيانة للدين، وبدأ في الانفجار أن حال الأمة الإسلامية لم ينهر من فراغ ، فنحن شعوب لا تحترم ثقافاتها ولا شعائرها ثم نريد أن نحرر القدس، عار علينا! فإذا بآخر يقول له: عله مسيحي ويحاول ألا يؤذي شعورك يا أخي ما أدراك وما كل هذة العصبية والتحامل على الرجل وأنت لا تعلم حتى لقبه أو كنيته!

هذا الحوار بلا شك يجب أن يدعوك للتساؤل، وطبق هذا على النموذج الذي قرأته دون دخول في مسائل طائفية لا داعي لها، إذا فرضنا أنه كان مسيحيًا وفعل ذلك هل كان حقـًا بإرادته وبكل حرية اختار احترام شعور الصائمين من المسلمين أم لأنه يهاب ردة فعل أحدهم إذا رآه يفعل ذلك في بلد غالبية سكانه على الإسلام؟

وهذا سينقلنا إلى تساؤلات أكبر وإضافة لما سبق وطُرح، هل نتمسك بالعادات والتقاليد كالزواج مثلًا من داخل العائلة كما في بعض المناطق لرغبة حرة في إتمام الزيجة، أم لأن هذا دين الأجداد والآباء دون اعتبار لشخص العروس؟ نتعلم ما نحب أم لأنه فُرض علينا اجتماعيًا؟ نرتدي ما نريد أم نتقيد بنظرات الناس؟

حقًا الإجابة على كل هذة التساؤلات في غاية الصعوبة والتي ستتضح لك إذا قمت بمناقشتها داخل الوسط الذي تَقطن فيه مدى نسبية الأمر وتعقده رغم كونه -ظاهريًّا- قيمة ومبدأ ثابتًا واضحًا للبصر، وستجد أول ردة فعل، بالطبع أنا حر كلنا أحرار نعبد إلهًا واحدًا فقط، ولا يجب أن نخلط بين الحرية ومفاهيم أخرى، فأنت حر ما لم تضر.

ثم مع تعمق المناقشة ستكتشف ظهور «لكن» المُتداخلة والمُحاطة بالظروف ونسبة التعليم والوعي والسلوك والتربية والضروري ومِعيار التفرقة بين كل حالة وموقف وحادثة ستتخذونها بينكم كمثال للمناقشة لتصبح أكثر فاعلية.

إذن، سيتضح لك أن الكفاح من أجل الحرية يبدأ منذ البداية منذ الأساس، يبدأ منك، من داخلك من الظروف المُعيقة التي وَجب مُحاربِتها قبل كل شيء، من غربلة المعتقد والفكر وبنائهم على أساس سليم قوي وما هو ثابت وما هو متغير بشكل سلس تبعًا للمستجدات التي قد تَحدُث مستقبلًا دون مساس بثبات الشخصية وقوتها، ومع مراعاة واحترام المختلف بشكل حقيقي دون ادعاء زائف وشعارات لا تعرف عنها سوى حروفٍ تكتبها أو تسمعها، من تمييز الشعور عن الوهم والخيال والوساوس التي تحاول السيطرة على القلب فيصيبه الهم والحيرة حتى مع قلة عدد التجربة، فلا تكون حبيس خيال كاذب ثم تدعي حرية اختياره بنفسك وبإرادتك، وما أنت سوى سجين له لا تجد مهربًا غير محاولة الاقتناع بجودته وملاءمته فتستكين زورًا وبهتانـًا، وتستسلم له، من السماح لغيرك الشعور بالحرية بل التمسك بها حتى لو كان في مواجهتك أنت، فهناك وسائل وسبل أخرى للرجوع عما تراه خطأ دون المساس بهذا الشعور المميز الذي وإن تسببت في إطفاء نوره سيشتعل نارًا في الظلام لا تنطفئ، تحرق ما حولها، من تخليص النفس من سيطرة الضوء المزيف المبهر والرغبة التي لا تنتهي إذا تم الركون إليها ومن صفات الشيطان كالكبر والغرور والحسد والعودة للصفات المميزة لك كابن لآدم الحر.

«أمقت ما تكتب، لكنني مستعد لدفع حياتي كي تواصل الكتابة».(1)

أو بصيغة أخرى لك الحق في أن ترفض كل كلمة مما قرأت لكنني مستعدة لدفع حياتي كي تستمر في المناقشة والبحث حتى تكون حرًا بحق.

(1) فولتير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد