تروم هذه الدراسة الوقوف عند مفهوم الحرية إنطلاقًا من الفكر المغربي؛ مع كل من عبد الله العروي وعلال الفاسي. سواء من خلال مؤلفاتهما أم من أعمال أخرى ناقشت هذه المؤلفات. إن الغاية من الدراسة ليست مقارنة المفهوم عند كل من المفكرين فقط، وإنما أيضًا محاولة استقراء مفهوم الحرية في البيئة العربية عامة والمغربية على وجه الخصوص، وإيضاح مسار تطور المفهوم في الفكر المغربي، ومدى تأثير التجارب التاريخية على الحاضر، والحديث عن كيفية تداخل النظريات المفسرة لهذا المفهوم (الهيجلية، الماركسية، الوجودية) مع بعضها البعض، وكيف أمكن لمجمل هذه النظريات أن تقوم على أساس واحد هو التصوف الهيجلي.

تقديم

تواجه دراسة مفهوم الحرية تحديات تتداخل فيها السياسة والفلسفة والتاريخ ومعظم العلوم الاجتماعية، وهذا الأمر يتعمق أكثر في المحيط العربي الإسلامي، كما أن وجود تجارب تاريخية (التجربة العربية) وأخرى معاصرة (التجربة الليبرالية) يؤكد أن الحرية لا يمكن اختزالها وفق نمط معين. فإذ كانت الحرية الليبرالية تتداخل ومفهوم الدولة، فإن التجربة العربية المستخلصة من التاريخ الوقائعي العربي عكس ذلك.

إنه لا يمكننا الحديث على أن الحرية اليوم أضحت أكثر أهمية من ذي قبل، أو أنها سوف تزداد أهمية في المستقبل، إنها ملازمة للكائن البشري. وعليه فإن أهميتها كانت ولازالت وسوف تبقى. غير أن الوعي بها هو الذي يتلاشى ويبرز حسب الظروف، وحسب الحقب التاريخية. ونذكر أن مرحلة الحداثة جعلت من الحرية أسمى القيم.

ستحاول هذه الدراسة تحديد مفهوم الحرية انطلاقًا من الفكر المغربي؛ عند كل من علال الفاسي وعبد الله العروي. وكما سبق القول، فالمراد ليس المقارنة بين المفاهيم وإنما محاولة استقراء مفهوم الحرية بالبيئة العربية. فلطالما اعتبر العروي أحد أبرز المفكرين في العصر الحديث، ولطالما أبدى اهتمامه بقضايا العالم العربي والإسلامي وبالحداثة الغربية. مسترشدًا في ذلك بمساره العلمي الذي بدأه من مسقط رأسه بمدينة أزمور المغربية، وانتهاء بجامعة باريس في فرنسا. حيث درس التاريخ والعلوم السياسية، دون أن ننسى مساره المهني الذي جمع فيه بين التدريس والأعمال الدبلوماسية.

استنطقت علال طويلًا.

طلب مني أن أعيره كتبًا فلسفية حديثة الصدور. عرضت عليه كتاب ألتوسير عن ماركس، وكتاب فوكو عن أصول المعرفة.

أتصور أنه متأزم، يدرك أن الحكم يستغل دعوته، لكنه يخشى أن ينزلق الشباب نحو اليأس والردة؛ إذ لا يتمثل إيمانًا بدون عبادة. بقي في معاداة أهل الباطن.

كان هذا ملخصًا لحوار بين علال الفاسي وعبد الله العروي، فإذ كان الثاني رمزًا من رموز النضال الفكري، فإن الأول رمز من رموز النضال السياسي والفقهي، فعلال الفاسي هو أحد زعماء الحركة الوطنية، والرجل الأبرز في حزب الاستقلال، تميز بحنكته في الممارسات السياسية، وبخطابه الفكري والأدبي والفقهي، حتى أنه لم يسلم من التضييق والنفي من طرف المستعمر.

أولًا: تجارب الحرية

1. التجربة العربية

ينطلق عبد الله العروي في بحثه عن مفهوم الحرية، من الإشكالية التي يطرحها هذا المفهوم في العالم العربي الإسلامي، وذلك وفق الطرح الذي قدمه المستشرقون. فبحث عن المفهوم في الفقه والأخلاق وعلم الكلام، قبل أن يعود إلى التاريخ الوقائعي للعالم العربي الإسلامي. ويخلص إلى أن عدم استيعاب مفهوم الحرية عند العرب وفق الطرح الليبرالي، لا يدل على أن العالم العربي الإسلامي لم يشهد تجارب في الحرية، بل على أن الحرية في العالم العربي مختلفة عن تلك التي عرفها المجتمع الليبرالي بكافة مراحلها الأربع. واستدل على ذلك بعدة تجارب مختلفة عرفها التاريخ الإسلامي.

· الحرية في البداوة: ويرمز لها بالبدوي الذي لا يعرف الخضوع لأي قوانين كيفما كانت. وخير مثال على ذلك الشاعر الصعلوك الذي عرف بمجابهة الطبيعة وعزلته عن الأهل.

· الحرية في العشيرة: وتتمظهر الحرية هنا في قانون العشيرة، الذي دائمًا ما يكون معارضًا للدولة. فكلما ضيقت الدولة مجال الحرية كلما أصبح الفرد أكثر تشبثًا بقوانين العشيرة التي تحفظ له الحقوق والمكتسبات.

يقول الشاعر الجاهلي عمرو ابن كلثوم مفتخرًا بنفسه وعشيرته:

وأيام لنا غر طوال                       *********

ألا لا يجهلن أحد علينا                  *********

فآبوا بالنهاب وبالسبايا              *********

وأنا المانعون لما أردنا                 *********

عصينا الملك فيها أن ندينا

فنجهل فوق جهل الجاهلين

وأبنا بالملوك مصفدينا

وأنا النازلون بحيث شيئنا

قد يبدو للوهلة الأولى أن هناك خلطًا بين الحرية عند البدوي، والحرية في العشيرة. على اعتبار أن أعضاء العشيرة هم بدو في آخر المطاف. لفك هذا الخلط نستعين بمؤلف المفكر العربي عزمي بشارة مقالة في الحرية، حيث جاء فيه «ليست الفردية حرية في نظر البدوي، فالحرية عنده تنطبق على الجماعة.. ويمكن اعتبار أدب الصعاليك حالة استثنائية».

· الحرية والتقوى: حيث أصبحت التقوى رمزًا للحرية والتحرر، ومجالًا لتوسيع مبادرات الفرد، وتحرير الوجدان.

· الحرية في التصوف: يمثل التصوف مجالًا للانسلاخ عن المجتمع، وبالتالي فهجر المجتمع يؤدي إلى إبطال مفعول القوانين. ونشير إلى أن الصوفية «قد ألزمت نفسها التربية الروحية واتخذت جانب الإحسان منهجًا لها وطريقًا موصلة إلى تحقيق قيمها وتطلعاتها».

2. التجربة الليبرالية

في حديثه عن التجربة الليبرالية يقر العروي على أنه ليس هناك نظرية ليبرالية للحرية. هي مجرد تجربة ودعوة وظاهرة طبيعية، تابعة لوجود الفرد. فهذا الأخير وفق الطرح الليبرالي هو أصل المجتمع. إن الليبرالية تضع الحرية في دائرة السياسة والاقتصاد وتخرجها عن نطاق الفلسفة.

يذهب ستيوارت ميل إلى اعتبار الفرد هو أصل الحرية، وأنه في موضع المواجهة أمام الدولة والمجتمع «إن معنى الحرية الصحيح هو أن كل إنسان يفترض فيه أنه خلق عاقلا يستطيع حسن التصرف، يملك حقًا لا يقبل التفويت في أن يعيش مستقلًا عن الآخرين، في كل ما يتعلق بذاته، وأن ينظم كيفما يشاء حياته الشخصية». ومنه، فإن ستيوارت ميل ينتقد كل أنواع التنظيمات والتأميمات. كما ينتقد كل أنواع القوانين الدنية والأخلاقية بما فيها مسألة تحريم الخمر وأمور الحسبة في الإسلام. وهناك من يرى أن أفكار ميل تجاوزت أفكار بنجامين كونستان وباقي رواد الفكر الليبرالي – حول المجال الخاص والملكية الخاصة – إلى عدم الثقة في السلطة عمومًا، والإصرار على احترام الحريات الفردية.

ومن بين مفارقات التجربة الليبرالية التي يقدمها العروي: عدم القدرة على تحديد المجالات التي يكون للفرد سلطان على نفسه فيها، وكيف أمكن أن نفصله عن الأخلاق وعن مجال الدولة. وستيوارت ميل نفسه يقر بهذه المفارقات.

«إن الحرية الليبرالية لا تمثل نظرية من نظريات الحرية، بل تنفي ضرورة تنظير الحرية».

ثانيا: نظريات الحرية

لقد استفادة كافة هذه النظريات من التجربة الليبرالية بشكل هام، كما أنها جد متداخلة في ما بينها.

1. النظرية الهيجلية للحرية

يعتبر هيجل الحرية الليبرالية لا ترقى إلى النظرية، فمفهوم الحرية الليبرالية سطحي. لقد أرجع هيجل أصل الحرية للفلسفة، وتجاوزَ التاريخ والاجتماع. لكنه في الوقت ذاته، يُبقي إشكالية الحرية في نطاق الدولة ويرفض وضع الحرية في نطاق الوجدان، وفي علاقة المرء المخلوق مع الخالق. إن هيجل يحتفظ بمبدأ الليبرالية في هذه المسألة، لكنه سرعان ما يفارقه عندما يبحث عن حرية أصيلة ومطلقة وليس عن مجموعة حريات كما في الليبرالية: «الحرية الأصلية إلهية، فلا تطابق بحال اختيار الفرد العابر وهي تتحقق في الدولة عبر انسياب التاريخ، الفرد لا يتحرر إلا عندما تتطابق إرادته مع أهداف الدولة».

2. النظرية الماركسية

هناك شبه تطابق بين النظرية الماركسية والنظرية الهيجلية، تطابق على مستوى نطاق الحرية المرادف لمفهوم الانسان، وتطابق على مستوى آخر، يفيد أن اختيارات الفرد لا يمكن أن يحددها سوى التاريخ أو العقل. غير أن ماركس يضع الطبقة موضع الدولة عند هيجل؛ أي طبقة العمال والصناعين الذين يمثلون الانسان الحر وفق الفكري الشيوعي. وإلى أنْ يتحقق مفهوم الدولة الشيوعية تبقى الحريات ناقصة، يعوقها بطش المشغلين المحتكرين للمصالح.

يتضح أن ماركس يضع حريه الأفراد بالنسبة للطبقة، موضع الفرد بالنسبة للدولة عند هيجل. غير أن الأمر سيتم تجاوزه من طرف انجلز ويرضخ لطرح هيجل، حسب العروي.

3. النظرية الوجودية

اذ كان هيجل وماركس يرفضان الحرية الوجدانية فإن الوجودية تنطلق منها. ويذهب العروي إلى قول سارتر إننا لا نترك دولتنا إلا من خلال اختياراتنا، وليست الحرية سوى كون اختياراتنا دائمًا غير مشروطة.

يَعتبر العروي المعادلات التي قامت عليها النظرية الوجودية، مبنية وناتجة من كلام هيجل «مفهوم الانسان يطابق مفهوم المطلق.

في ختام هذا الجزء، نعود لقول العروي «لقد أثر هيجل في الماركسية والوجودية عبر فيورباخ من جهة، وأثّر التصوف الألماني في تكوين هيجل من جهة ثانية.. إن المنطلق الواحد (التصوف) يتطور إلى نتائج مماثلة».

ثالثا: كيف تتشكل الحرية

يجعل علال الفاسي من التحرر الفكري أولى المنطلقات لتشكل الحرية، إن حرية التفكير، هذه، تبقى تحت سلطة الإنسان ولن تتأتى قيمتها إذا ظلت حبيسة الداخل، وإن عدم إظهار الفكر والإعلان عنه يؤدي إلى الاستيلاء عليه ظلمًا ومجاهرة من طرف الغير.

كما يُرجع الفاسي غياب قدرة التعبير عن الرأي لانعدام الأمان، وتفشي الخوف في صفوف المثقفين، واستحواذ المحافظة على عقول عامة القوم، وأنه في غياب المحاولات الجادة لتجاوز هذا الوضع، أصبح المجتمع يقدس الموروث ويعتبر كل محاولة لتجاوزه أو نقده خطرًا على الناس ككل. 

إن تشكل الحرية كما يرى الفاسي يتطلب وجود أشخاص يجعلون من مهمة البحث في الموروث همهم الأول، ويُدخِل ضمن هذا الموروث كافة الأنشطة اليومية: من نظام في المأكل والمشرب والملبس. وإن من مهمة هؤلاء الأشخاص تنوير الرأي العام، بنظريات جديدة تدحض باقي النظريات التي عايشناها والتي لطالما عملت على تأطير الحياة اليومية للمجتمع، وفي مقدمتها استصعاب تقبل النقد والتوجس من الأفكار المخالفة. إن الدولة ليست هي المانح الوحيد للحرية بل إن نفوس الأفراد هي المنطلق الأول لها.

أما عبد الله العروي فيبدي اهتمامه بالتحرر على المستويات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. غير أنه لا يعتبر توفر أحد هذه المستويات كافيًا دون الباقي منها، فالاقتصاد وحده مثلًا لا يضمن التحرر، إذ من اللازم تحقيق باقي الظروف السياسية والثقافية. فكيف يمكن تصور الحرية في مجتمعات لم تؤمن بعد بمبدأ السيادة الشعبية، ولم تسعى لتنمية إمكاناتها الاقتصادية، ثم إن عدم الاهتمام بعلم السياسة داخل المجتمعات العربية هو خير دليل على غياب مشاركة الأفراد في التخطيط السياسي. 

رابعًا: مفهوم الحرية

أوضح العروي أن مجمل التعاريف والنظريات قائمة على التصوف، والأمر ذاته ينطبق كذلك على علال الفاسي الذي يُرجع أصل الحرية للدين الإسلامي، حيث يقول: «إن التفويت وقع على الإنسانية زمنًا طويلًا.. فلما جاء الإسلام وضع هذه الأوزار وفك هذه الأغلال، وذلك عن طريق الإيمان بالحرية الحرة».

ويقول أيضًا عن الحرية في الفكر: «إن الأجيال المظلمة التي مرت علينا، نزعت منا كل الحقوق التي خول لنا الله إياها. وحرمتنا من نعمة الفكر التي هي أساس الحياة السعيدة».

في حين أن العروي يقول: «كل من ظن أنه رسخ قواعد الحرية في العالم الملموس، بمجرد أنه تصورها وحددها يستحق بالفعل السخرية والاستهزاء. لكن الفيلسوف الذي يُعتبر عمله مدخلًا لدراسة طرق الإبداع والتغيير يستحق بالعكس التقدير والتشجيع. إن التوضيح الفلسفي يُثبت مدى قدرتنا على تمثل الحرية. حينما نعي حق الوعي أن تحليل المفاهيم هو وسيلة لتنوير الذهن وتقويم المنطق نكون قد قطعنا شوطًا بعيدًا نحو التقريب بين الفكر والعمل، أو نحو الرفع من مردودية نشاطنا اليومي، حيث إن الكلمات تجسد مجالات مفهومية تشير إلى تجارب، والتجارب، لا تترجم إلى الواقع الاجتماعي، إلا إذا تم التعبير عنها بطرق مستساغة لدى الجميع».

خامسًا: استنتاجات

وفي الختام وجب التذكير بأن خطاب علال الفاسي وعبد الله العروي عامة، وحول مفهوم الحرية خاصة لم يكن يحمل طابع الوطنية فقط، وإنما دائمًا ما ارتبط بالعالم العربي، مع اختلاف مرجعية كل منهما.

كما يسعنا القول أن معالم تشكل الحرية عند كل من المفكرين، كان يرتبط بالحقبة الزمنية التي عاشها كل منهما، فإذا كان علال الفاسي يجعل من حرية الرأي والتعبير منطلقًا لتشكل الحرية، فما ذلك إلا انعكاس لما عرفته فترات الاستعمار من تضييق وإقبار لحرية التعبير والرأي، وانعكاس كذلك للتأثر بالتجربة الغربية السائدة أنذاك. في حين أن تأكيد العروي على ضرورة التحرر على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، هي معالم لما بعد الاستقلال السياسي واستكمال بناء الدولة. والتحرر عند العروي يفيد كذلك التطلع لتجربة عربية في الحداثة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الحرية, فكر

المصادر

تحميل المزيد