يبدو أن العرب استهلكوا طاقاتهم الكاملة في الإجماع حول تفسير واحد يخص الحرية، لدرجة أنهم اختلفوا بين تطبيقها بوجه معاصر يمكن أن يخالف الدين، أو إبقائها على مفهومها التقليدي الذي يعجل في انحرافهم عن حضارة أوروبا وتطورها.

الكم الهائل من الجامعات العربية التي تدرس الفلسفة بمنطق إسلامي عربي، يركز على الجدية بمحتوى فارغ، وعلى تطبيق التعاليم بمفهوم معاكس للصواب؛ لأن الحياة الطائفية تهيمن على الحياة الفكرية، أخبرني ما هو اعتقادك الديني لكي أسمح لنفسي باعتناق أفكارك، أو أحذر الناس منك، لهذا الساحة الإسلامية العربية تعج بالحروب الطائفية، وتسهل انقراض المفكرين بطريقة خبيثة، هنا يكمن صلب الموضوع الأساسي، هل نطبق الحرية بمفهوم الفلسفة اليونانية ونترك الدين خلفنا كمؤسسة دينية يجب أن تبقى بين أربعة جدران، أو نطبق تعاليم الدين المختلف فيها من قرون كثيرة؟ أظن أن الجواب يكمن في الحالة النفسية للبشر؛ لأنه حينما ترى الدول المتقدمة مثل «كندا» تعطي قيمة للإنسان والحيوان، وترى في البلاد العربية الإنسان يموت مثل الحيوان، تشعر أن الفكر الإلحادي لدول العالم يقدر الحرية الإنسانية، وهو يظن أن سبب الكون وما فيه هو تأويل الطبيعة فقط، والمسلم الذي أحدث دينه فتحة في قلوب البشر حول العالم، كونه خلق التسامح والقدرة والشكر والأخلاق، ويملك اعتقادًا صحيحًا أن للكون والطبيعة خالقًا أمرنا أن نعبده، لا يقدر لا الإنسان ولا الحيوان، وما زال الاستعباد مهيمن على تفكيره، لكن الخلل لا يكمن في الإسلام كونه غطاءً دينيًّا كاملًا وكافلًا للحرية الإنسانية؛ لأن جميعنا يعرف الحوار التاريخي الذي جرى بين عمرو بن العاص -رضي الله عنه-، وأمير المؤمنين عمر بن الخطاب حينما قال له:

متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟

الحرية هي فعل عقلي غير مرتبط بالدين، إذ إن المحتكرين للفقه الشرعي جعلوه سجنًا للحرية، لهذا أول خطوة لتحرر هو العقل، وآخرها الفعل الحسي والذاتي، بالمختصر المفيد تبدأ الحرية بالتحرر فكريًّا لتنتهي بالفعل غير المشروط جسديًّا.

وهذه الأمور لن تتطور في البلاد العربية، طالما لا يوجد للفرد رأي أو موقف في ما يحدث حول بيئته، سواء كان سياسيًّا أو اجتماعيًّا أو ثقافيًّا، طالما أن موقفه يعتبر تهديدًا لاستمرارية السياسيين في انحرافهم، فلا وجود للحرية المشروطة أو غير المشروطة، ولن يكون هناك تطور فكري أو سياسي، عكس الدول المتقدمة التي تجعل النقد واتخاذ الآراء والسبل للمواقف هو الحل الوحيد لتثبيت الدولة بطريقها الصحيح، وعدم زحزحاتها عن بوصلة النجاح، صحيح أننا نقرأ وندرس ونفهم معنى الحرية، لكن لا نطبق ولا 1%.

الكثير من العرب هاجروا إلى أوروبا من أجل الحرية، ومن أجل التمتع بمزاياها رغم كثرة العيوب الموجودة فيها، نظرًا إلى دوامها غير المحدود وغير المشروط؛ لأن الإسلام حرم بعض الأشياء التي تعتبر في أوروبا متعة سياحية مثل الخمر والنساء والغناء و القمار ولحم الخنزير؛ لهذا يبقى مفهوم الحرية عند العرب غير متكامل الطرفين، من ناحية اهتمام الحكومات الأوروبية بقضايا الفكر والنقد شبيه برسالة إلهية تهتم بالبشر كليا، ومن ناحية أخرى حرية فعل كل شيء تحت غطاء قانوني وليس دينيًّا، تصطدم مع الهيبة الإسلامية الدينية التي تحرم بعض الأشياء، وتحللها عبر حدود الأخلاق الإنسانية.

لهذا أريد الحرية ولو كانت كافرة من أجل إطلاق سراح كلماتي المعتقلة في البلاد العربية، وأريد إسلامي وكل ما يفرضه عليّ كوني مسلمًا، فلا أطيق علمانية الغرب كونها تعمل لحبس تعاليم ديني داخل الجدران، ولا أريد أن أكون ملحدًا ضائعًا في بلاد غربية، وأن أعلم حقيقة الكون والوجود علميًّا ودينيًّا، فهل تكون هجرتنا إلى بلاد الغرب هجرة علمية فكرية من أجل ثوابات الكلمة، أم سيحدث انحراف فيها عن تعاليم الدين والأخلاق الحميدة التي تعلمنها من ديننا الحنيف؟ جعلونا نكتب عن الغرام والعشق، رغم أن لغتنا لغة قوة وحضارة وقرون عديدة، جعلونا نبتعد عن الرأي والنقد، وألزمونا بكتابة روايات وقصص خيالية بعيدة عن الواقع، والأجمل من هذا قاموا بتكريم حروف الخيال وسجنوا حروف الواقع؛ لهذا لن نصل إلى إجماع على الحرية شكلًا ومفهومًا وفعلًا؛ لأن العرب ينقصهم التطبيق حتى في تعاليم الأديان سواء المسيحية، أو اليهودية، أو الإسلامية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد