الحرية قبل تطبيق الشريعة!
من الشعارات السائدة في الساحة الفكرة شعار ( الحرية قبل تطبيق الشريعة) فهل يصح القول به؟
الحقيقة أن من اطلق هذا الشعار كان حسن المقصد والله أعلم ويعني به التخلص من الاستبداد والظلم بالحرية منه ثم البدأ بتطبيق بعض الشرائع التي تتعلق بالجانب السياسي والاقتصادي والتي يحول دون تطبيقها النظام الدكتتوري المستبد
ولكن عموم اللفظ في هذا الشعار ادى الى ملابسات كبيرة لعدم انضباط فهمه وهي إقامة الحرية المطلقة ومن ثم القيام بطبيق الشريعة ولنفرض جدلاً كما يقول بعض المفكرين أن هذا المفهوم لا يخالف الطرح الاساسي للشعار وبالتالي فليس فيه أي مغالطة وهذا خطأ كبير من عدة جوانب وهي:
1- أن الشريعة متضمنة لعدد من الاحكام التي لا يحول بينها وبين التطبيق ظلم ظالم ولا عدل عادل كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجهاد وتتضمن أيضاً الصلاة والصيام والزكاة والحج وسائر أحكام العبادات والمعاملات والاخلاق والايمان ومقابلة الشريعة للحرية في الفهم المغلوط لهذا الشعار يعني عدم الالزام بهذه الشرائع وإنما الامر كما بينا في البداية ان المقصود في تطبيق الشريعة ما يتعلق بالجانب السياسي والحدود و التعازير … والافعال الملزمة داخلة في قوله تعالى (فاتقوا الله ماستطعتم) فيجب على المسلم الاتيان بالاحكام ماستطاع

2- عدم الانضباط في فهم الشعار يعني مقابلة الشريعة للحرية وهذا قول مغلوط ايضاً فإن فالحرية جزء من الشريعة قال تعالى (لا اكراه في الدين) (وما جعل عليكم في الدين من حرج ) والظلم فيها محرم (إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرم فلا تظالمو ) وهي شرط التكليف في كثير من الاحكام وقد فصل الامام الطاهر بن عاشور الكلام فيها وعلى الرغم انه لم يفردها ضمن الضرورات الخمس الا انه جعلها داخلة ضمنها حيث يقول ( فمن استقراء هذه التصرفات ونحوها حصل لنا العلم بأن الشريعة قاصدة بث الحرية بالمعنى الأول ـ يعني إبطال العبودية ـ وأما المعنى الثاني الذي هو تمكن الفرد في التصرف في نفسه وشؤونه كما يشاء دون معارض، فله مظاهر كثيرة هي من مقاصد الإسلام تتعلق بأصول الناس في معتقداتهم وأقوالهم وأعمالهم، ويجمعها أن يكون الداخلون تحت حكم الحكومة الإسلامية متصرفين في أحوالهم التي يخولهم الشرع التصرف فيها، غير وجلين ولا خائفين أحداً) والنصوص متضافرة في بيان أهمية الحرية في الشريعة الاسلامية وتتمايز عن غيرها من الفلسفات كالليبرالية انها مقيدة ومنضبطة بما يحقق مصالح الناس

3_ الفهم المغلوط لهذا الشعار والذي يجعل الحرية مطلقة خطأ كبير فإن الحرية المطلقة الغير منضبطة بضوابط الشرع والمغايرة لمفهوم الشريعة للحرية لا يمكن أن تقوم الشريعة بعده فإذا جعلنا الحرية المطلقة أحد مراحل إقامة الشريعة فإن الشريعة لا تقوم على نقيدها لما في إطلاق الحرية من مخالفات شرعية والناظر في السيرة يرى أن رسول الله بنى حضارة الاسلام بالعقيدة الت رسخها في نفوس الصحابة

4_ إن السبيل لإقامة الشريعة والتمكين للأمة يقوم على معالم وسبل رسمتها لنا الشريعة نفسها وتجلت في السيرة النبوية والنصوص القرآنية (قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) وقوله تعالى (فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا) وقوله تعالى (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ) فكما أن الدولة يجب أن تقوم على شريعة الله كذلك السبيل اليها لا يكون الا عن طريق المعالم الشرعية التي بينها لنا الله ورسوله وهذا بما يتعلق بجانب المبادء والثوابت والمنطلقات والمواقف أما الوسائل فييها سعة تركت لاجتهاد العلماء ضمن قواعد المصالح والمفاسد وهذا ما أوجد اختلاف الحركات الإسلامية من حيث أي الوسائل التي يجب سلوكها للوصول الى للتمكين ومثال ذلك الحوار الذي دار بين الني صلى الله عليه وسلم والصحابي خباب بن الارت في غزوة بدرعندما سأله خباب النبي صلى الله عليه وسلم (امنزل انزلك الله ايها ام هو الرأي والحرب والمكيدة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم بالرأي والحرب والمكيدة فقال له خباب أرى يا رسول الله أن ننزل ابار بدر فنشر ونسقي ونمنعهم عنها (اي المشركين) ففعل رسول الله لان الفعل لم ينزل في أمر من الله ولو كان ذلك ما اشار خباب على سول الله فيما يخالف النص والفعل كان فيه مصلحة محققة مستوفية الشروطة منتفية الموانع

_الخلاصة أن إطلاق هذا الشعار دون انضباط جعله مدعاة للتفلت من الكثير من الثوابت والاحكام الشرعية وإعمال العقول بعيداً عن هدى النصوص

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد