الحرية كالحبل المفرد المتين، الذي يمتد إلى هدف واضح، لا يتعقّد هذا الحبل، ولا يناقض بعضه بعضًا، فإذا التفّ وناقض بعضه بعضًا، حتى أصبح عُقدة متشابكة، تحول إلى شبكة تعتقل العقل والنفس، ويصبح الإنسان بداخلها عبدًا، لا يملك قراره ولا حياته.

حبل الحرية واحد لا يتعدد.. وشباك العبودية كثيرة متنوعة لا تكاد تُحصر.

هذا تشبيه مجازي.. ولننتقل إلى واقع الناس.

أغلب الناس يعتقدون اعتقادًا جازمًا أنهم أحرار في حياتهم لا يخضعون لأحد، حتى وإن اضطروا أحيانًا لفعل أشياء لا يرغبون بها، فهم سيفسرون ذلك بأنها ضرورات عابرة هم مجبرون عليها، لكنهم يعتقدون في العموم أنهم أحرار وليسوا عبيدًا لأحد.

وتجد مثل هذا الاعتقاد الراسخ، حتى عند أفراد لا يستطيعون العيش إلا بالانقياد للآخرين، وسماع الأوامر، وتنفيذها بدون نقاش، وهذا من أعاجيب النفس البشرية.

كيف يستطيع العقل البشري أن يوهم نفسه بالحرية، وهو في أحط دركات العبودية؟!

وأنا هنا لا أتكلم عن الناس الضعفاء، الذين يُضطهدون بسبب كسب رزقهم وعيش أولادهم؛ فهؤلاء لا يخدعون أنفسهم غالبًا، ويعترفون بالحقيقة المرة، لكن أتكلم عن أناس يبدون في مظهرهم قادة رأي، أو مثقفين، أو تجارًا، أو سياسيين… إلخ.

في ثقافتنا التي تربينا عليها، غالبًا ما نتصور العبودية مقرونة بالفقر والضعف وقلة الحيلة؛ لأن صورة العبد في مخيلتنا ارتبطت بالإنسان المقهور الفقير، الذي لا يملك من أمره شيئًا، لكننا نغفل عن صورة من صور العبودية هي أخطر بكثير، وهي العبودية التي تعشعش في عقول الصفوة من المجتمع، والطبقات المرتاحة ماديًّا واجتماعيًّا، والتي تكون أحيانًا أقسى بكثير من عبودية الفقراء والمقهورين، وهي التي تجر الويلات على المجتمع نتيجة التصرفات، والقرارات الخطيرة المؤذية، التي تصدر من هذه العقول التي أَسرتها شباكُ العبودية، بينما تُظهر للناس خلاف ذلك.

وهذا الوهم أعني وهم الحرية منتشر في المجتمع أكثر مما تتصور، لكن لماذا هو وهم؟ ولماذا هو الشعور السائد عند الأغلبية؟ ونبدأ بالسؤال الثاني؛ لأنني أريد أن أفصل في السؤال الأول لأهميته.

هو سائد بين البشر؛ لأن الحرية فطرة مزروعة في الإنسان، تولد معه وتعيش معه، ولا ينفك أبدًا عن الحاجة إليها وممارستها أينما كان، مثل حاجته للطعام والشراب والهواء، ويكفي دليلًا على هذا أن أقسى العقوبات التي يتعرض لها الإنسان هي العقوبات السالبة للحرية كالسجن مثلًا؛ لذا تجد المسجون يتحايل على وضعه ليفعل أشياء بسيطة، لكنها تشعره بأنه يملك قدرًا ولو ضئيلًا من الحرية، فيكتب على الحائط مثلًا بأي أداة تتيسر له، وقد يتمنى الموت على أن يبقى محبوسًا بين أربعة جدران.

والحرية فطرة بشرية تميز بها الإنسان عن غيره من المخلوقات المسخرة، التي لا تدرك ما هي الحرية، ولا تمارسها، بل تسير في حياتها على نواميس تنتقل إليها عن طريق مورثاتها جيلًا بعد جيل؛ لذا لا تجد ارتقاءً في طرائق عيش الحيوان، ولو كان ضئيلًا؛ لأنه يقتفي أثر أسلافه بالضبط.

ولأنها فطرة خصَّ الله تعالى بها الإنسان حصرًا، فالكل يحرص عليها، ويتباهى بها، مهما كان عمره وجنسه وثقافته، وهذا جواب السؤال لماذا يكون الشعور بالحرية وبغض العبودية، هو السائد عند أغلب البشر سواء كان حقيقة أم وهمًا.

والسؤال المهم الآن ما الفرق بين الحرية وغيرها من ضروريات الحياة؟ ولِمَ تكون عند البعض وهمًا يخدعون به أنفسهم والآخرين؟

الفرق هو أن الطعام والشراب مثلًا وهو من ضرورات الحياة شيء مادي مشاهد، إذا فقده الإنسان لا يستطيع أن يخدع نفسه أو غيره بأنه يمتلكه، بينما الحرية عقيدة خفية في النفس، لا يطّلع عليها إلا صاحبها، صحيح أنها تستجلب مشاعر خاصة بها، وسلوكًا خاصًا بها ظاهرين غالبًا، ولكن الإنسان يستطيع أن يبرر لمشاعره وسلوكه اللذين يظهران للناس، وهو في نفس الوقت يستطيع أن يتلاعب بالأصل، وهو اعتقاده بأنه إنسان حر، والذي هو الجزء الخفي الذي لا يطّلع عليه إلا صاحبه، فتجده يسلك سلوك العبيد، ويفسره لك تفسير الأحرار، ومن هنا يبدأ الوهم بالحرية، وهو الذي سنناقشه الآن.

لماذا يتوهم الكثيرون أنهم من طبقة الأحرار، ويتعمدون إظهار ذلك لخداع الناس بحريتهم الموهومة؟

لا شك أن أي إنسان سوي لا يرضى بأن يوصف بأنه عبد لبشر مثله؛ لأنها منقصة في عرف كل الناس الطبيعيين الأسوياء؛ لذا يحرص الجميع على إظهار أنهم سادة أنفسهم، وأنهم يملكون قرارهم وحياتهم، ولا يتحكم بهم أحد، وهذا ادعاء قد يصح وقد يكون وهمًا، فما هو الضابط للأمر كي نفرق بين الحقيقة والوهم؟

حتى نضع الضابط علينا أولًا أن نعرف ما هي الحرية؟

الحرية عقيدة فرضتها الفطرة تستجلب مشاعر تدعمها وتظهر بشكل سلوك يؤيدها.

وبناء على هذا التعريف نستطيع وصف الإنسان الحر بأنه الإنسان الذي يتخذ القرار -بغض النظر عن صحته أو خطئه- بعيدًا عن المؤثرات المعوقة، ولا يتنازل عنه مهما كانت الخسائر أو المكاسب.

الإنسان الحر -حقيقة وليس ادعاء- هو الإنسان الذي يثبت على مبدئه ومعتقده وقيمه، مهما كانت الخسائر، فإن خُيّرَ بين أن يكون حرًا بما يحمل من أفكار ومعتقدات وقيم، وبين أن يفقد المكاسب والمغانم، فإنه يختار الحرية بدون تردد. وهذا هو القرار المشترك الذي أجمع أحرار العالم على اتخاذه منذ بدء الخليقة بسيدنا آدم وإلى أن تقوم الساعة.

لذا رمزتُ لمفهوم الحرية بالحبل المفرد الواضح المتين، ورمزتُ للعبودية بالشبكة المعقدة من حبال يناقض بعضها بعضًا، فتعرقل العقول وتصيدها كما تصيد الشبكة الحيوان الأعجم.

ولنضرب مثالين للتوضيح:

أوضح وأشهر مثل للإنسان الحر والقرار الحر الذي لا يتأثر بمكسب أو مغنم ما قاله سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم- لعمه ولقريش عندما عرضت عليه المال والملك ومتع الحياة كلها مقابل أن يتخلى عن هذا الدين الجديد: «والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر ما تركته».

ما الذي تحمله النبي -صلى الله عليه وسلم- بسبب قراره هذا؟ ذلك معلوم لكل من قرأ السيرة المطهرة.

المثال الثاني لإنسان عادي تربى في الصحراء ليس له في الحضارة ومصطلحاتها باع أو ذراع، يخاطب بكلامه قائد جيش الفرس الذي هو ابن الحضارة والمدنية، يخاطبه بكلام صادمٍ وراقٍ وواضح وبسيط: «جئنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة».

هذه الجملة أحدثت هزة في نفوس كل المستضعفين الذين حضروا هذا اللقاء، وسمعوا ما يقوله هذا الأعرابي الذي لم يعش حضارتهم، والذي أيقظ في نفوسهم بعبارته هذه بذرة الحرية التي دفنها الاستبداد والطغيان، فما أن زال العائق بين هؤلاء المستضعفين وبين هذا الدين الذي يبشر بالحرية حتى دخلوا فيه أفواجًا.

هذا المفهوم العظيم للحرية هل نمارسه ونربي أولادنا عليه؟ أم أننا نربيهم على الخضوع للديكتاتورية والتفرد والطغيان منذ نعومة أظفارهم؟ وننسج لهم شباك العبودية التي وقعنا فيها نحن من قبل، فلا يستطيعون منها خلاصًا، عندما تمتحنهم الحياة بمواقفها ومغرياتها ومصائبها.

ولأننا لا نربي الأفراد على هذا المفهوم فلا نعجب إذا شاع بين الناس (وهم الحرية) وأنهم أحرار في اتخاذ قراراتهم والعيش كما يريدون، والحقيقة غير ذلك، ولنضرب بعض الأمثلة على هذا الوهم.

لنبدأ بنموذج المثقف الذي يتكلم بمعاني الحرية والديمقراطية والتطور والحضارة، وقد يكون أستاذًا متخصصًا في علمه، فإذا جلس هذا الأستاذ –المحترم- مع مسئول في الدولة، ولو كان صغيرًا تحول إلى تلميذ يتعلم منه، والعجيب أنه يعتبر هذا من الذكاء والفطنة حتى يحقق مصلحته عند هذا المسئول، ويقول لك: «أضحك عليه وأخدعه حتى آخذ ما أريد».

هل تعتبر مثل هذا المثقف محسوبًا على الأحرار، أم أنه وضيع منافق قد نسجت العبودية شباكها حوله؟ كم قابلتَ مثل هذا النموذج في المجتمع؟

ونثني بنموذج التاجر الثري الذي يفعل بأمواله ما يشاء ويشتري المواقف والذمم، وكل الناس تظنه حرًا يفعل بحياته كل ما يحلو له، هذا التاجر ومن وراء الستار يُذل نفسه لموظف صغير في الجمرك، ليسمح لبضاعته بالعبور، ولبواب يقف على باب المسئول ليدخله عليه، ولمحاسب في دائرة الضريبة ليخفض عنه مبلغ الضريبة، وكل من يستطيع إيذاء هذا التاجر سيبتزه ويأخذ من ماله، وهو سيعطي مثل العبد المملوك لا فرق؛ لأنه ببساطة باع حريته مقابل حُبه للمال والثروة، وهذا المال هو الذي ينسج حوله شبكة العبودية؛ لأن المال عنده أهم من كرامته وحريته وقراره، لكنه أمام الناس في الظاهر سيد مطاع يتزلف له الكثيرون.

هل تعتبر هذا الإنسان من صنف الأحرار أم من صنف المماليك الذين تعدد أسيادهم؟

ونثلث بنموذج قائد الرأي والتغيير في المجتمع أيًّا كان اسمه وصفته والذي يعمل تحت مظلة الدين، لا شك أنك تسمع منه كلامًا جميلًا رائعًا يتلاعب بالعواطف والمشاعر، لكنه لا يختلف عمن سبقه إذا تعارضت مصلحته مع مبادئه، سيكون مستعدًا لبذل ماء وجهه ليحقق حاجته، وإنما جعلت لهذا الصنف كلامًا خاصًا به؛ لأنه يتميز عن كل من سواه بخاصية فريدة، وهي أنه يُفتي لنفسه بجواز ما يصنع شرعًا، وبذلك يعطي لنفسه صك الغفران في الدنيا والآخرة، فلا تثريب على عمله في الدنيا؛ لأنه سيبرر عمله بصيغة شرعية مقنعة، ولا تثريب عليه في الآخرة؛ لأنه لم يرتكب معصية –بظنه-، وهذا هو أعلى درجات خداع النفس بالحرية. فهذا عبد ولا يدرك أنه عبد، أو أنه يدرك ويكابر وهذا هو الدَرَك الأسفل الذي تسقطه فيه شبكة العبودية.

هذه ثلاثة نماذج فقط لمن وقعوا في شباك العبودية وأوهموا أنفسهم بأنهم أحرار، وفي المقابل لهم يوجد نماذج مشرفة من الماضي والحاضر؛ مثقفون، وتجار، ودعاة، وقادة رأي، ومن كل صنوف وطبقات المجتمع، ثبتوا على قيمهم ومبادئهم، وخسروا بعض المكاسب، لكنهم ربحوا حريتهم وسيادتهم على عقولهم ومبادئهم وقرارهم، ولم يقعوا في شباك العبودية التي أسرت الملايين غيرهم، وهذا هو النجاح الإنساني في الحياة الدنيا، فما معنى الإنسانية بلا حرية؟

تذكر دائمًا أن الحرية كالحبل الواضح الوثيق، وهو موجود معك دائمًا، يمكنك أن تتمسك به، لكنه سيكلفك ثمنًا باهظًا أحيانًا، والذي لا يستطيع الثبات ودفع الثمن سيقع حتمًا في شباك العبودية، وهي مئات بل آلاف من الحبال المعنوية والمادية معقودة ببعضها، ولا ينجيك منها إلا أن تنتبه لها، وتتخلص منها، وتتمسك بحبل الحرية الواضح المتين الذي لا يخذلك أبدًا، وإن شددت بقبضتيك عليه وتتبعته، سيوصلك إلى بر الأمان.

وختامًا ماذا يعني أن تكون حرًا؟

أن تكون حرًا يعني أنك تثبت على مبادئك وقيمك.

أن تكون حرًا يعني أنك سيد قرارك.

أن تكون حرًا يعني أنك لا تخضع لضغط وأنت تستطيع مقاومته.

أن تكون حرًا يعني أنك ستخسر الكثير وسيتنكر لك الكثيرون.

أن تكون حرًا يعني أنك الوارث الحقيقي لطريقة الأنبياء والمصلحين.

أن تكون حرًا يعني أنك ستكون ولا بد جزءًا فعالًا من التغيير نحو الأفضل في الحياة كلها.

الفهم هو الحل.. 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد