منذ الربع الأول للقرن الماضي وفكرة الحرية تثير جدلًا بين الليبراليين والإسلاميين فكرة وممارسة فالليبراليون يتهمون الإسلاميين أنهم لايمتلكون حرية التفكير وأنهم يحجرون على العقول باسم (المقدسات / المعتقدات) والإسلاميون يردون عليهم بأن أصل الحرية هو إسلامي في جوهره (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي) البقرة، سواء كان ذلك على مستوى العقائد والأفكار والممارسة وبقي الجدل سائدًا بين كلا الفريقين وخاصة أن معظم الحكومات التي استلمت الحكم على مر تلك الأيام والسنوات هي حكومات (علمانية شاملة) ومعظمها (عسكري) ولكنه يبقى في دائرة العلمانية بل منهم من قال بالليبرالية كمنهج له وبذلك أصبح الليبراليون (المحدثون) إن صح التعبير ينفون تهمة انتماء أولئك الحكام إلى الفكر العلماني الليبرالي وخاصة أن هؤلاء الحكام مارسوا أشد أنواع التضييق على الحريات بل وصل بالبعض منهم إلى إعدام المخالفين له فكرة ومنهجًا.

من ناحية أخرى بدأ الفكر الإسلامي يخطوا خطوات واسعة في النضج والتعامل مع المحدثات من الأمور وخاصة بعد محمد عبد وحسن البنا ثم المفكرون الجدد من أمثال محمد عمارة ومحمد أحمد الراشد ومحسن عبدالحميد في المشرق العربي أما المغرب العربي والغرب فقد تطورالفكر الإسلامي فيه تطورًا كبيًرا من خلال تبني مدرسة (المقاصد) التي بمفهومها تعزز حرية تحرك العقل داخل النص والبحث عن مصالح العباد والبلاد وفقًا للمنظومة الفكرية الإسلامية وتوصل الفكر الإسلامي هناك إلى اعتبار الحرية مقصدًا من المقاصد القرآنية فكرة وممارسة وتجلى هذا واضحًا في ممارسات الغنوشي وكتابات العلواني في أمريكا وبالتالي بدأت الحرية تنتشر في أوساط الإسلاميين والحركات الإسلامية على مستوى الممارسة داخل تلك الحركات من خلال انتخابات تجرى لاختيار قيادة الحركات الإسلامية، ورغم ذلك ظلت فكرة الحرية فيها عدم ووضوح لدى الأجيال المؤسسة لتلك الحركات مما انعكس على نوع من الفصام بين الأجيال وأحدث إرباكًا في بنية وفكر تلك الحركات واستغل الليبراليون ذلك بالنقد تارة وبالتشهير تارة أخرى، ثم جاءت اللحظة الحاسمة وهي اللحظة التي بدأت فيها ثورات (الربيع العربي) فزالت الأنظمة (الشموالية) وبدأت مرحلة التنافس الانتخابي كأحد وسائل ممارسة «حرية» اختيارالحاكم وبرزت حركات ليبرالية وليبراليون (معتقون) يطالبون بالحرية ويعدون الناس بعيش رغيد وحرية كاملة وفي الجانب الآخر ظهرت الحركات الإسلامية التي كانت أكثر التصاقًا بالشعب وهمومه إلى أرض الواقع ودخلت في منافسة مع الأحزاب والحركات الليبرالية ثم جاءت نتائج الانتخابات لتضع (الإسلاميين) في المقدمة ولتختبر الفكر الإسلامي (على مستوى الفكر والممارسة) فيما يتعلق بالحرية (حرية الاعتقاد، حرية التعبير، حرية إنشاء الأحزاب، حرية الإعلام، … ) وأظهرت الحركات الإسلامية التي فازت في الانتخابات قدرًا كبيرًا من المرونة والتجدد في ممارسة الحرية بل إن بعض المقكرين أخذ عليها أنها لم تضع حدودًا لتلك الحرية وخاصة في المؤسسات الإعلامية التي قادت ثورة مضادة ضد تولي الإسلاميين الحكم ووقف الليبراليون مع وسائل الاعلام تلك وشنوا حربًا على حكم الإسلاميين فأسقطوهم ولتضع (الأقدار) الليبراليين هذه المرة أمام نفس التحدي الذي نجح فيه الإسلاميون وهو (ممارسة الحرية فكرًا وتطبيقًا) وهنا ظهر أن الليبراليون لا يعرفون أدنى درجة من درجات الحرية في التطبيق فمارسوا أشد أنواع التنكيل بمخالفيهم ومنعوا حرية الإعلام والاعتقاد وحرية تشكيل الأحزاب والمنظمات وبذلك فشلوا فشلا ذريعًا.

خلاصة الكلام في عدد نقاط

  1. ممارسة فكرة الحرية (حرية الاعتقاد والتعبير والإعلام) اكتسبت مكانة لدى الفكر الإسلامي المعاصر والإسلاميين الجدد من خلال التنظير لها في مؤلفات كثيرة ظهرت في الفترة الأخيرة ((كردة عن الحرية للراشد وحق المعارضة السياسية لمحسن عبدالحميد وحقوق الإنسان في الإسلام لمحمد عمارة وكتابات طه جابر العلواني في مقاصد القرآن لتؤسس فكرة الحرية باعتبارها مقصدا إسلاميا قرآنيا)).
  2. مارست الحركات الإسلامية الحرية «داخل» صفوفها: الحزب الإسلامي العراقي، حركة النهضة ، حزب السعادة… نموذج جيد لذلك من خلال انتخابات شفافة لاختيارقيادة تلك الأحزاب (رغم حدوث إشكالية فكرية بين الجيل القديم والجيل الشبابي تحتاج إلى معالجته خلال الفترة القادمة لتقدم تجربة أكثر نضجًا.
  3. ظهرت ممارسة الحرية «خارجيًّا» لدى الحركات الإسلامية والأحزاب الإسلامية أو ذات المرجعية الإسلامية أكثر نضجًا من الحركات الليبرالية والأحزاب العلمانية (حزب الحرية والعدالة، حزب العدالة والتنمية، النهضة نموذجًا جيدًا حين تولوا الحكم على عكس الأحزاب الليبرالية التي قمعت المخالفين (حزب الوفد الجديد، حزب المصريين الأحرار، جبهة الإنقاذ الوطني في كل من مصر وتونس) وهذا يدعو إلى مراجعة أفكار الحرية لدى منظري الليبرالية بعد فشلها المريع.
  4. أظهرت السنوات الخمس الماضية أن فكرة الحرية مازالت غير واضحة (على مستوى الممارسة كآليات وعلى مستوى التنظير لدى الجيل القديم من الحركات الإسلامية في حين أظهرت نضجًا كبيرًا لدى الشباب والجيل الصاعد ورغم ذلك ظهرت الحركات الإسلامية بمظهر جيد ممارسة وفكرًا)، أما الليبراليون فقد أظهروا عجزا فكريا وعجزا في الممارسة.
  5. ستكون المرحلة القادمة للتيارات الإسلامية مرحلة مفصلية إذا أعادت ترتيب أوراقها وأفرزت أحزابًا مدنية ذات مرجعية إسلامية غير معلنة تعمل وفقا لمنظومة المقاصد والحاجات الكلية للمجتع وربما تحقق تقدما ملحوظا.
  6. على الحركات الليبرالية إعادة النظر في أدبياتها وممارساتها التي أبعدتها عن ممارسة الحرية داخليا وخارجيا وأن تنأى بنفسها عن الالتصاق بالجيش والعسكر والانقلابات كي تستعيد جمهورها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الحرية
عرض التعليقات
تحميل المزيد