قريبًا يُتم كل من صهيب نصر الله، ومحمد أبو عجاج، ومالك الجيزاوي شهرًا موقوفين على ذمة التحقيق نتيجة مشاركتهم، أو بالأحرى هتافهم في مسيرة الغضب التي انطلقت من دوار تاج مول إلى السفارة الأمريكية في عمان يوم الجمعة 21 يونيو (حزيران) 2019 رفضًا للمشروع التصفوي المدعو بصفقة القرن.

ورغم أن الدولة الأردنية تكفل لمواطنيها حق التعبير بكافة الوسائل بموجب المادة (15/1) من الدستور الأردني بشرط أن لا يتجاوز حدود القانون وبموجب المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، إلا أنه قد تم توقيف الثلاثة يوم الأربعاء 26 يونيو، وتم تحويلهم اليوم التالي لمدعي عام محكمة أمن الدولة.

السؤال الآن هو كيف تجاوز الثلاثة حدود القانون؟ فلم يكن التجمهر غير مشروع نظرًا لأن مجموعة من الأحزاب والقوى السياسية في البلد قد دعت إليه، كما أنهم لم يقوموا بالتطاول على رأس الدولة ورموزها، ولا بإثارة الشغب ولم يتجاوزوا حدود الحرية المسؤولة، ولم يتورط الثلاثة حتى بتهم التحريض على مناهضة الحكم أو إطالة اللسان المتعارضة مع مضمون الأوراق النقاشية للملك ومع مساعي تحقيق الدولة المدنية.

لكن التهمة التي وجهت إليهم تستند للمادة 3/ب من قانون منع الإرهاب التي تنص على «القيام بأعمال من شأنها أن تعرض المملكة لخطر أعمال عدائيّة أو تعكّر صلاتها بدولة أجنبيّة أو تعرّض الأردنيين لخطر أعمال ثأريّة تقع عليهم أو على أموالهم». ووفقًا لمحامية الموقوفين، فإن الهتاف الذي وُجهت التهمة بناءً عليه مرتبط بالسعودية.

وقد مر القانون الأردني بعدة تعديلات ومراحل سابقة أهلت خلق وصلات بين الإرهاب والاحتجاج السلمي. بدايةً أصدر جلالة الملك عبدالله الثاني في عام 2009 مرسوما ملكيًا يمنع بموجبه حبس الصحفيين، تلاه تعديل القانون عام 2013 على عدم توقيفهم وحصر ولاية محكمة أمن الدولة بخمس جرائم فقط هي: التجسس، والخيانة، وتزوير العملة، والمخدرات، والإرهاب.

وكل ذلك كان جيدًا ونهوضًا لحرية التعبير في الأردن حتى عدل البرلمان الأردني قانون مكافحة الإرهاب عام 2014 – بعد ثلث سنوات من الربيع العربي – ليشمل في تعريفه لجريمة الإرهاب تعكير صفو علاقات الأردن مع دولة أجنبية والذي يعد تعريفًا فضفاضًا يخالف المعايير الدولية وحقوق الإنسان ويمكن استغلاله لمحاكمة الأفراد على جرم بسيط تحت تسمية العمل الإرهابي وقابل للتعارض مع المادة 128 من الدستور نفسه التي تنص على أنه «لا يجوز أن تؤثر القوانين التي تصدر بموجب هذا الدستور لتنظيم الحقوق والحريات على جوهر هذه الحقوق أو تمس أساسياتها».

إن تعزيز حريات التعبير عن الرأي ومن ثم تغليظ العقوبات هو تضييق عليها بشكل أو بآخر وطريق غير مباشر لتكميم الأفواه وترهيب العامة أو حتى نشطاء الحراك السلمي بالتحديد. وعليه الآن يمكث الثلاثة في سجن الجويدة حتى صدور قرار المحكمة والذي سيقضي بالأشغال المؤقتة في حال أيّد التهمة كما قالت المحامية التي أشارت أيضًا إلى أن التوقيف مخالف لأحكام المادة 114 من قانون أصول المحاكمات الجزائية لأن محاكمة المدنيين أمام محكمة استثنائية مخالف لمعايير المحاكمة العادلة.

وتأتي مخالفة قانونية أخرى لأحكام المادة 100 من أصول المحاكمات الجزائيّة بسبب الطريقة التي تم توقيف الشبان فيها والمخالفة للإجراءات الواجب اتباعها؛ على سبيل المثال تلقى الجيزاوي مكالمة هاتفية تخبره بضرورة زيارة أخيه في المستشفى ليفاجأ بعدها باعتقاله هناك. وقد حاول ذوو الموقوفين وأقاربهم تكفيلهم مرارًا وتكرارًا، إلا أن مساعيهم لم تنجح حتى الآن.

على جانب آخر وبمعزل عن كل النقاشات القانونية، ثمة تناقض مثير للريبة بين طبيعة التهمة وموقف الدولة الهاشمية المعارض لصفقة القرن. عندما يعبر جلالته عن رفضه التام للصفقة من خلال اللاءات الثلاثة، لا يُتوقع وجود اعتقالات كهذه على خلفية هتافات تم وصمها بالإرهاب، بالطبع لن يخرج الشعب الأردني في مسيرة ترفض صفقة القرن للهتاف دعمًا لتوماس أديسون لاختراعه المصباح الكهربائي، أو تنديدًا بسياسة هولاكو لقتله الملايين.

كل ذلك يجدد الحاجة لتشريع أو تعديل جديد يعزز موقف المملكة الأردنية قبل أن يوفر الانسجام بين الدستور والمعايير الدولية لأن الإنسان لا يحيا بالخبز وحده وحتى لا نكون مضطرين فيما بعد للمفاضلة بخجل بين الإساءة لدولة شقيقة والتآمر على دولة شقيقة، أو حتى للقدوم بتعريف جديد ربما لا يشمل فلسطين كدولة شقيقة، كما تساءلت الناشطة الحقوقية هديل عبد العزيز.

إن اللجوء لتشديد القبضة الأمنية من شأنه أن يهدم جسور الثقة بين المواطنين والحكومة بدلًا عن الحفاظ على الوضع السياسي حيويًا، وبدلًا عن تعزيز المشاركة السياسية للشباب حتى لا يفضل الاغتراب ويرى حريته في حماية دول غربية أخرى، كما يؤدي ذلك لتراجع تصنيف المملكة في تقارير الرصد العالمية وحسابات «هيومن رايتس ووتش» كون عدد الأشخاص المرتبطين بقضايا حرية الرأي يصل لـ28 شخصًا مع الثلاثة وفق لجنة متابعة معتقلي الرأي والحرية والمظلومين في الأردن، إلى جانب النتائج العكسية التي قد تظهر في عواقب كان من المفترض عدم الوصول إليها.

هتاف هؤلاء الشبان الثلاثة في مسيرة غضب وخروج غيرهم في اعتصامات مطالبة بالإصلاح ومحاربة الفساد واسترداد المال العام ينبغي أن لا يتم حمايته فقط، بل تعزيزه لأن الأمن الوطني الذي يتبناه البعض كمبرر يضمن بالضرورة سلامة الأفراد للتعبير عن رأيهم الهادف للتغيير الذي بدوره سيعزز الأمن الوطني.. فالساعي للفساد لا يخرج في مسيرة إصلاحية والإرهابي لا يهتف بموقف الشعب في العلن، وإن تبرير خطوات كهذه بدعوى محاربة التطرف قد يكون في فحواه تطرفًا لا يوازن بين الحرية والأمن كقيمتين أساسيتين وبذات الأهمية.

تُبرز هذه التحديات دور النقابات المهنية واللجان الشعبية والأحزاب المسجلة والبرلمان والشارع الأردني والرأي العام في ضرورة دعم معتقلي الرأي والمطالبة بحريتهم لأن الدفاع عنهم هو دفاع عن الإنسانية ولأن قضيتهم هي سعي نحو الحرية التي لا مقابل لها، الحرية التي هي المقابل.. مالك ورفاقه لا يكرهون البلاد، لكنهم خرجوا من مخيمهم – البقعة – لمعارضة من يكرهون البلاد، ولا يعنيهم أمرها، من يدعمون تسوية حقوق الشعب الفلسطيني من خلال صفقة القرن التي لا تُلحق الضرر بفلسطين فقط.

ويُذكر أن الحكومة الحالية التي يترأسها الرزاز كانت قد سميت بحكومة النهضة وحملت على رأس أولوياتها الوصول لدولة قانون حيث يتم «توسيع مشاركة الأحزاب في الحياة السياسية، ومحاربة الفساد والوقاية منه، وتعزيز قيم النزاهة، وتعزيز مشاركة المواطنين في صنع القرار».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد