في العام 2007 أصدر الكاتب الأمريكي أنثوني لويس كتابهُ الشهير ”الحُرية للفكر الذي نكره”، وهو كتاب يتحدث عن حٌرية الرأي و التعبير في الولايات المتحدة الأمريكية، ويشيد بالمساحات الواسعة للاختلاف بما فيها تلك الآراء الشاذة، أو التي تصنف على أنها دعوات للكراهية، حيث يطرح الكتاب وجهة نظر تعتقد أن السماح بالتعبير عن الرأي والرأي المعاكس سيعطي للأمريكيين فسحه أكبر من التعرف على وجهات النظر المختلفة والرد عليها، و يبدأ الكتاب بعبارة تتصدر الصفحة الأولى اقتبسها الكاتب من التعديل الأول للدستور الأمريكي:

 لا يصدر الكونغرس أي قانون خاص بإقامة دين من الأديان أو يمنع حرية ممارسته، أو يحد من حرية الكلام أو الصحافة، أو من حق الناس في الاجتماع سلميًا، وفي مطالبة الحكومة بإنصافهم من الإجحاف.

أما عٌنوان الكتاب المثير للاهتمام فهو مقتبس من منطوق حٌكم قضائي أصدرته المحكمة العليا الأمريكية في القضية شهيرة “States v. Schwimmer”، حيث ذكر القاضي المعاون في المحكمة العٌليا ”أوليفر ويندل هولمز جونيور” أنه إذا كان هناك أي مبدأ في الدستور يدعو بشكل حتمي لمادة مكملة فهو مبدأ حرية الفكر؛ وحرية الفكر ليست لمن يتفقون معنا فحسب، بل إنها حرية للفكر الذي نكره.

والفكّر الذي نكره من وجهة نظر المحكمة العليا في الولايات المتحدة لا يمثل جٌرمًا إلا في الحالة التي يفشل فيها هذا الرأي في اجتياز اختبار مِلَر ”Miller test”، وهو اختبار طوّرته المحكمة، وبدأ العمل به في عام 1973 ويعتمد المقياس على 3 مستويات وهي: عما إذا كان غالبية الأشخاص في المجتمع يرون طريقة التعبير عن الرأي مقبولة، وعما إذا كان طريقة إبداء الرأي يعارض القوانين الجنائية، وعما إذا كانت طريقة عرض الرأي يتحلى بصفات فنية أو أدبية جادة.

وفي حالات أخرى، وضع النظام القضائي الأمريكي معايير شديدة التعقيد لتقييد حرية المواطنين في التعبير، مثل ”التحريض على ارتكاب جريمة وشيكة الحصول” فعلى سبيل المثال، في عام 1969 ألقى عضو في منظمة KKK وهي منظمة تنادي بتفوق العرق الأبيض ومعاداة السامية خطابًا في ولاية أوهايو دعا فيه إلى إستخدام العنف والإرهاب، وصلب، ومن ثم حرق اليهود والأميركيين الأفارقة، وعلى الرغم من ذلك أبطلت المحكمة العليا قانونًا يمنع خطابه؛ لأن هذا التشريع جرّم خطابًا لم يكن يستهدف التحريض على أو إنتاج عمل وشيك خارج على القانون.

وبالعودة للكتاب، فقد تعرض أنثوني لويس لنقد من جيرمي والدرون أستاذ الفلسفة القانونية في كلية الحقوق بجامعة نيويورك، حيث يعتقد ”جيرمي والدرون”  في كتابه ”The Harm in Hate Speech” أن المشكلة لا تتعلق فقط بخطاب الكراهية، بل بالآثار السلبية لهذه الآراء، والتي يصفها بأنها مشكلة تهدد السلم المجتمعي، وأن لها مفعول السٌم بطيء المفعول، كما يقدم ”والدرون ” في هذا الكتاب مقاربة تنتقد العقيدة القانونية لقضاة المحكمة العليا في الولايات المتحدة التي تنظر لخطاب الكراهية بأنه محمي بواسطة التعديل للدستور الأمريكي، فالدفاع عن حق الآخرين في التعبير عن الكراهية لا تجعلهم الوحيدين الذين هم بحاجة للدفاع عنهم، ففي هذه الحالة المجتمع بحاجة أيضًا للدفاع عنه.

وبعد عشر سنوات من إثارة أنثوني لويس للجدل حول كتابه المتعلق بحرية التعبير في الولايات المتحدة أصبح دونالد ترامب رئيسًا منتخبًا في حملة انتخابية اعتمدت بشكل أساسي على أطروحات غير تقليدية وجدليّة وخطابات تتسم بالعداء والكراهية تجاه الآخر، وعاجلا أم آجلا المحكمة العليا في الولايات المتحدة نفسها أمام اختبار حقيقي، يتمثل في دراسة التغيّرات التي تطرأ على المجتمع نتيجة ”التطرّف” رأس الهرم في البيت الأبيض، فمؤسس علم الاجتماع القانوني في الولايات المتحدة أوليفر هولمز يقول ”حياة القانون لا تقوم على المنطق، بل على التجربة” فأي نتيجة ستنتهي إليها التجربة الأمريكية؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد