«لا يكفي أن ترغب بالحرية، ولا يكفي أن تحلم بها، عليك أن تهبها بعضًا منك، عليك أن تحارب من أجلها» – باب العامود، نردين أبو نبعة.

تقسم الأرض أن تحنّ علينا ونحن نقسم لها بالوفاء، تقسم المقدسات أن تبقى لنا ونحن نقسم لها بالوفاء، وما بين هذا الوفاء وذا الوفاء، حياة لا يمكن لها أن تشبه أي حياة، عثرات وعقبات قسرية يرغب سالك درب الحرية والباحث عنها بتخطيها، ولكنها باتت محطات على هذا الدرب، والأسر في سجون الاحتلال أحدها.

نشاهد على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو تظهر والد عروس في وداعها يوم زفافها، يزفها لزوجها، لمَن ائتمنه على فتاته وقبل به زوجًا لها، ورغم ذلك يبكي الأب فراق ابنته، وربما أجزم أن الآباء في هذه اللحظات تكوى قلوبهم وتُذرف دمعاتهم وكأن مُصابًا جللًا أصاب ابنتهم، أجل هي مغادرة بين عائلتها، ولكنها ذاهبة إلى بيت الزوجية الذي يصفوه «بمملكتها».

ولكن في فلسطين الحال مختلف، تشاهد مقاطع فيديو صعبة الوصف، الأب يعانق فتاته وهي مقتادة قسرًا إلى سجون الاحتلال الإسرائيلي، محاطة بالجنود بدل الأحباب، مكبلة اليدين بسلاسل حديدية لا بأساور ذهب وفضة، تُعصب عيناها بقطعة قماش بيضاء حتى تصل السجن اللعين، وسط هذا المشهد ترى الأب يبكي عاجزًا عن فعل شيء الا أن يهمس في أذن ابنته «كوني قوية»، يشيّعها بنظراته وهي تمضي إلى مستقبل مجهول ومكان لا يُحبذه أحد، وصراخ جوفه «يا رب أنتَ وكيل أمرها فاجعل سجنها عليها بردًا وسلامًا وردها إلي حتى لا يفطر قلبي، فلا حول لي ولا قوة»، فيما الأم وسط نجواها لله بأن يسلّم ابنتها، تظل ممسكة بيد ابنتها التي تُساق إلى جيب عسكري احتلالي لا أمن له ولا أمان فيه، تظل تُقسم على ابنتها أن تظل قوية، فيما تقسم الفتاة لأحبابها أن تظل قوية كما عهدوها.

وهذا ما فُجعتُ به قبل أسابيع عندما شاهدت مقطع فيديو اعتقال صديقتي الأسيرة آلاء فقهاء (24 عامًا) من منزل عائلتها، وكذلك الإعلامية عضو البلدية سوزان عويوي التي اختطفها الاحتلال من بين أطفالها، والفلسطينية دينا السعيد زوجة شهيد وأم لطفلة لم تبلغ من العمر ثمانية أعوام بعد، وليس ببعيد عني صورة صديقتي الغالية الأسيرة إستبرق التميمي إعلامية الغد حين اعتقلها الاحتلال من سكن جامعي للطالبات في مارس (آذار) عام 2017، حينها بهت اللسان ولم أعلم ماذا أقول، أمسكت زمام قلبي وقلت «يا رب قلبي وقلب إستبرق، أنتَ ولينا وهذا قدرك فأعنا».

هذا الواقع لم نعتد عيشه في فلسطين سابقًا، ولكن منذ نحو العامين ونحن نستيقظ على أخبار تنقل لنا واقعة اعتقال فتاة فلسطينية، آمنة في روحها وقلبها، ولكنها غير آمنة في جسدها، حتى وصل عدد الأسيرات الفلسطينيات في سجون الاحتلال الإسرائيلي أكثر من 60 سيدة، بينهن أكثر من 10 قاصرات، وأخريات جريحات.

ما بين مستنكر للواقع ورافض له، وما بين مناشد لتغييره، وما بين فن يلقي بقضية الأسيرات على مسامع الشعب، ورسائل تخطها الأسيرات من داخل السجون، تظل قضيتهنّ على سلّم أولويات كل أحرار شعبنا المعطاء، ولكنه الفراق القسري يترك في القلب ندبة لا يمكن تجاوزها إلا بالحرية.

ينغص الاحتلال على الأسر الفلسطينية عيشها، فتظل العائلة حبيسة فكرها في مَن غادرها إلى الأسر قسرًا، أتراها ماذا تأكل وكيف تصلي وأين تنام؟، وكذلك لدى مئات الآلاف من العوائل الفلسطينية التي يغيب الاحتلال أحد أفرادها أو غالبيتها في زنازين سجونه، الزنازين التي يوحي لك اسمها أنها مكان الضيق والوحشة والقهر والاضطهاد، مكان اللاإنسان واللاحيوان أيضًا.

يعمد الاحتلال الإسرائيلي في الآونة الأخيرة إلى اعتقال الفتيات «أمهات وطالبات جامعيات وقاصرات» بحجة أنهنّ يشكلن خطرًا على أمن الاحتلال، وعبر هذه السياسية يحاول أن يوصل للفلسطينيين رسالته أن الطفل منكم والمسنّ، الرجل والفتاة، عرضة للاعتقال إذا حاول التفكير بنصرة قضيته بأي وسيلة، فكم من طفل حرمه الاحتلال من والدته عبر الأسر كحرمان أطفال الأسيرة عبلة العدم من لذة العيش مع والدتهم، وكم من أسيرة حرمها الاحتلال من تعليمها المدرسي كالأسيرة شروق دويات ونورهان عواد، وأخريات حرمن من إكمال تعليمهن الجامعي بسبب الأسر كالأسيرة إستبرق التميمي وأنسام شواهنة، وكم من فتاة باعد الاحتلال بينها وبين زوجها أو خطيبها باعتقالهما كالأسيرة بيان فرعون وخطيبها الأسير أحمد عزام.

ولو نظرنا إلى لوائح الاتهام التي يقدمها الاحتلال ضد الأسرى وخاصة الأسيرات، تجده بات يستخدم حجة «منشورات الفيسبوك» تهمة على أن الفلسطينيين يمارسون الإرهاب والتحريض، إذا ناصروا القضية الفلسطينية وعبروا عن أملهم بالتحرير والتخلص من الاحتلال النازي، وإذا أشادوا بدور الشهداء والفدائيين والمقاومة المسلحة.

ربما قارئ هذه الكلمات في الدول العربية، يرى ذات الوقاع في الاعتقالات التي تنفذها الأنظمة العربية ضد كل صوت معارض لها، سواء ذكور أو إناث، يلاقون ويلات العذاب والقهر والاضطهاد في سجون أبناء الجلدة – ولا أعلم إن كنتُ محقة في وضع هذا الوصف بين كلمات الألم هذه –، فأحاول جاهدة أن أقيس مدى الألم الذي يعيشه الإنسان العربي لقاء هذا الظلم الواقع عليه، فلا عقل يستوعبه، ولا روح قادرة على التصبر عليه، ولا نفس إلا وتبغضه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد