لقد تحدثنا في المقال السابق عن أن الحرية هبة من الله سبحانه وتعالى وأنه مثلما نضع الأحجار أساسًا للبيوت والمصانع والمنشآت ومثلما وضع الله نواميس هذا الكون وقوانينه كجبال أوتاد وبحار تزخر وبراكين تزأر وأشجار ترفرف فإنه قد وضع الأساس الأول لخلق الإنسان الشيء الذي بدونه لا تستقيم حياته بل لا تستقيم فطرته من الأساس ألا وهي الحرية فهي بمثابة الماء والأكسجين ليس للإنسان فقط بل حتى الحيوان فإنك إن وضعت عصفورًا في قفص من ذهب فإنه لن يغني ليس لرفضه لذلك ولكن لأن طبيعته لم تفطر على ذلك فهو يريد الحرية.

يقول الله تعالى «وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء» البقرة 30، تلك الآية تنم عن شيئين متضادين الحرية والاستعباد أو الحرية والاستبداد فالله عندما اختار آدم لخلافته أعطاه الحرية ليؤمن أو يكفر ليقيم الفضيلة أو الرذيلة ليفسد ويسفك الدماء أو ليعمر الأرض ولكن لم تستطع الملائكة تحمل ذلك واعترضوا لأنهم مجبولون على الطاعة ليس لهم حرية الرأي أو حرية التصرف ولم يفضله فقط بالحرية بل بالعلم أيضًا وذلك كان التبرير والتعجيز الأمثل للملائكة «وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين» البقرة 31.

لقد استفضنا في التعبير عن ذلك الأمر وإنه كما قلت سابقًا

لا حياة بدون حرية ولا حرية بدون إله.

ولما كانت الحرية هي الغريزة الأساسية للإنسان وبعد أن أهداه الله للإنسان كان حتمًا علينا أن نفهم كيف لتلك الحرية المكتسبة أن تنبثق في ثنايا حياتنا وتتغلغل بداخلها رويدًا رويدًا حتى لا تنفك تنفصل أبدًا وكيف لتلك الفلسفة أن تنتظم داخل حياتنا.

الحرية من مفهوم فلسفي

لنسافر جميعًا كل منا براحلته ولنقف هناك عند مدينة أفلاطون الفاضلة. المدينة التي تخيلها أفلاطون لتكون المثال الأسمى لحياة الإنسان وتكريمه وقد أعد أسسًا كثيرة لتلك المدينة. أولًا الدولة عبارة عن وحدة حية تتكون من أعضاء والفرد خلية فيها (يشبهها بالإنسان). ثانيًا وهو الأهم الحكم ليس بالضرورة أن يكون بيد شخص واحد.

لقد أكد أفلاطون أن أهم أساس لتلك المدينة التي ستحقق للإنسان كل ما يتمنى هي الحرية فإنها البنيان الذي تقوم عليه تلك المدينة الفاضلة، لقد عرف أن كل شيء يمكن تعويضه إلا الحرية لذلك وضعها الأساس لمدينته ولعالمه المثالي وجميعنا يعرف أفلاطون فلقد كان أحد أعظم الفلاسفة على مر التاريخ ولم تقتصر تلك الحقيقة على أفلاطون فقط.

يقول منشيوس الفيلسوف الصيني:

إن الناس أهم عناصر الأمة والدولة وإن الملك أقل هذه العناصر شأنًا.

فقد اختزل هنا جبروت الملوك وسطوة الحكام واعتزازهم بأنفسهم في أنهم أقل الناس شأنًا فالإنسان حريته أغلى من أي شيء أغلى من الدولة وحكامها أيضًا فلا يحق لأحد أن يسلب حرية أحد.

هؤلاء فلاسفة عرفوا الحق ودرسوا الجنس البشري ليعم فيه الخير والمودة ولكن ماذا لو جدنا ملك الشر هو الآخر يدافع عن الحرية؟! عندما يذكر الأدب يذكر شكسبير ومثلها عندما يذكر الشر يذكر نيكولو مكيافيللي! لا تستغرب! فلقد كان الأب الروحي لهتلر ونابليون وستالين أشهر السفاحين على مر التاريخ. فعلى سبيل المثال قد استنبط ميكافيلي من خلال دراسته لتاريخ الأنبياء أن النبي المسلح قد نجح في فرض أفكاره وحقق نجاحات كبيرة مقارنة بالنبي المسالم، وبالتالي خرج بنظرية أن «القوة ضرورية لنشر الأفكار». كما أن ميكافيللي اختلف عن من سبقوه حين تحدث عن صفات الحاكم، فهو لم يتحدث عن الصفات المثالية للحاكم كأفلاطون، بل تحدث عن الصفات الواقعية التي تمكن أي حاكم من الوصول لمبتغاه لا إنه قد أكد أن الدولة القوية لا يمكنها الحفاظ على كيانها إلا على أساس أخلاقي، واستشهد بالأخلاق الشعبية الرومانية القديمة. وعلى طريقة صدق أو لا تصدق، فإن ميكافيللي قد رأى أن النظام الديمقراطي هو الأصلح ولكن بشرط أن يكون الشعب مستنيرًا، ومتمسكًا بالأخلاق وأكد أن الحرية لا يمكن الاستغناء عنها. فهذا ملك الشر يعترف أن الحرية أهم شيء في الوجود فما بالكم بمن ليس له باع في هذا أو ذاك؟!

الحرية المفقودة

 

يقولون لي إذا رأيت عبدًا نائمًا فلا تنبهه لعله يحلم بحريته، وأنا أقول لهم إذا رأيت عبدًا نائمًا نبهته وحدثته عن الحرية.

فالحرية لا تأتي للراضين بالدون ولا الكسالى فهي تحتاج إلى عقول واعية وأبدان واقية وحماسة بالغة للحصول عليها لا نريد أن نكون مثل النعاج السوداء ونصنع تماثيل لمن أرادوا لنا الحرية مع أننا من شاركنا في قتلهم بسكوتنا عن حقنا. إن الحرية يا صديقي لا تأتي إلى الشعوب الجالسة فهي ليست كالماء أو الهواء الذي نشربه ولعل أعظم تعبير عن ذلك أبيات أبي القاسم الشابي:

إذا الشعب يومًا أراد الحياة *** فلابد أن يستجيب القدر

ولابد لليل أن ينجلي *** ولابد للقيد أن ينكسر

ومن يتهيب صعود الجبال *** يعش أبد الدهر بين الحفر

فهي لا تأتي بالأحلام ولا بالأماني إنما هي حق يجب أن يسترد حياة يجب أن تؤخذ بل يجب الموت من أجلها ولعلي أصوغ قصة من خيالي عن سيدة المسجد. دخلت بشعرها الرائع، وردائها الطويل داخل مسجد الرجال. قالت: «أريد أن أصلّي». غضب الجميع، صاح شيخ الجامع وقال: «ارحلي لا يمكنك الصلاة معنا». لكنّها أصرّت. وعندما لم يكن بمقدورهم أن يمنعوها؛ خرجوا وتركوا المسجد احتجاجًا. ابتسمت صاحبة الشعر الرائع وقالت في نفسها: «أخيرًا سأصلي مع إله الرجال داخل مسجد الرجال».

وإن كان التصرف الخاطئ والفكرة هنا رخيصة لكن الشاهد أن الحرية لا يمكن ردعها لمن يريدها يستطيع أن يحصل عليها لأنها حق لكل إنسان لا يمكن سلبه.

متى نصبح أحرارًا؟!

حيث لا حرية فثم وطني.

لقد تحدثنا عن الحرية وقمنا بتفنيدها تفنيدًا لكن متى أكون قد حصلت على الحرية متى أصبح حرًا. بين الأصوات الجهيرة الصادقة الخالقة التي ارتفعت عبر التاريخ معلنة حقوق الإنسان ارتفعت صوت عبقرية باهرة استوطنت جسدًا منهوكًا وشخصًا بائسًا اسمه «توم بين» نعم صاحب تلك المقولة الرائعة العظيمة.

جميع المفكرين الأفذاذ والعلماء يقولون حيث توجد حرية فهذا وطننا فجاء هو بنسيج وحده يحتوي على كل البر للجهد الإنساني «حيث لا حرية فثم وطني» فلقد عرف الفكرة العظيمة أن الإنسان ليس حرًا بذاته فقط. ليست الحرية ملكية شخصية إنما هي تراث إنساني لا يتجزأ وهي لا تظفر بوجود حقيقي. إن التسامح ليس عكس التعصب بل هو تلفيق له وكلاهما استبداد وجور فالتسامح يعطي لنفسه الحق في إعطاء الحرية والتعصب يعطي لنفسه حق منع تلك الحرية.

تعالوا لنتساءل: لو أن أحدًا قدم إلى البرلمان اقتراح مشروع قانون يسمح لله بتقبل عباده اليهود أو الأتراك مثلًا أو مشروع قانون يمنع الله من قبول هذه العبادة أليس هذا إجحافًا وتجديفًا في حق الله وكفرًا به! فيجيب: كذلك الضمير الإنساني قبس من الله يرفض منه التسامح كما يرفض وقاحة التعصب يريد فقط دائمًا حريته وجميع سيادته.

سنكون أحرارًا حين يكون الجميع أحرارًا!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

افكار في القمة لخالد محمد خالد _ المواطن لتوم بين
عرض التعليقات
تحميل المزيد