أذكر حوارًا دار بيني وبين صديق “علماني” حول الحريات الفردية، وجرّنا هذا الحوار للحديث عن الحجاب. ليقول لي ساعتها: “لا أصل للحجاب في الدين الإسلامي، ذلك مجرد تقليد ﻷن الناس وجدوا من سبقوهم يرتدون غطاء الرأس فارتدوه، تلك سلطة المجتمع الذي يمارس الإكراه عليكم”.

قالها بصيغة المخاطب الذي أخرج نفسه من كل إمكانية لوقوع فعل الإكراه عليه فلا يكون مفعولًا به مكرَهًا مثل غيره، وبنبرة تكبر وتعالي الحر الذي لا يخضع لهذه الإكراهات الاجتماعية.

غيرت ساعتها مجرى الحديث؛ فأنا لم يكن هدفي الدخول في جدلية الحجاب بين “العادة والعبادة”، وحوارنا ما كان ليغير شيئًا؛ فأنا لي قناعاتي وهو له قناعاته التي أعرفها مسبقًا، لكن ما أثارني هي نبرة التعالي في صوته واليقينية التي تحدث بها، كمن ملك الحقيقة بين يديه! وقلت له ساعتها “ألا تخضع أنت لهذا الإكراه؟ لماذا ترتدي مثلًا سروالًا وقميصًا بهذا الشكل ولا ترتدي شيئًا آخر؟ لماذا لا ترتدي فستانًا أو تنورة نسائية مثلًا؟” وواصلت “أنت ترتدي هذا الشكل من اللباس لأنك وجدت عليه من سبقوك ولأنهم أخبروك أن هذه هي ملابس الرجال وللنساء ملابسهن”.

لا أذكر رد هذا الصديق، لكن هذا الموقف شأنه شأن مواقف أخرى وأحداث أخرى كثيرة في هذا المجتمع تجعلك تقف أمامها وأنت تقول “لا بد أن أكون عالم اجتماع لأفهم هذا المجتمع كيف يفكر وكيف يحكم، لأستطيع العيش مع من أختلف معهم فكريًا وفي أمور جوهرية وأستسيغ اختلافهم”.

بمجرد أن تبدأ الإبحار في علم الاجتماع ستشعر كمن توجه له الصفعات تلو الصفعات وتبدأ حقائق كانت غائبة عنك في التجلي أمام عينيك وتتساءل كيف لم تنتبه لها من قبل، خصوصًا ذلك الجانب المتعلق بعلاقة الفرد بالمجتمع، وتبدأ أسئلة بالتناسل في ذهنك:

هل نحن أحرار فعلًا أم أن هذا المجتمع يتحكم فينا؟ وإلى أي مدى تصل سلطة المجتمع علينا؟

نحن لا نتحدث عن الإكراه الذي يمارس عبر القوانين والمؤسسات كالشرطة     والقضاء وغيرها، بل نتحدث عن ذلك الإكراه الذي لا نشعر به؛ تلك الممارسات الخاصة وربما الحميمية، التي نعتبرها نابعة عن إرادة ذاتية حرة لا دخل لسوانا فيها، ولا ننتبه أن يد المجتمع تتدخل في كل تفاصيلها وتوجهها كما تريد، وربما لو نظرنا حولنا لوجدنا أن ممارساتنا تتكرر مع أفراد آخرين غيرنا أو أن ممارساتهم هي التي تتكرر معنا، ولَكُنا عرفنا أننا لسنا أحرارًا تمامًا، وأننا نتمثل تعاليم هذا المجتمع بكل دقة كجيش منظم يتلقى أوامر قائده، في أشياء كثيرة.

ويتجلى ذلك بشكل مبسط في اللباس مثلًا، فما ترتديه امرأة وهي متوجهة للعمل ليس هو ما ترتديه في سهرة، وقد يكون عملها حرًا بحيث ليس لديها رئيس في العمل يتدخل في شكل هندامها، ورغم ذلك لن تستطيع ارتداء فستان سهرة في عملها، رغم أنه ليس هناك قانون يمنع ذلك وليس هناك عقاب يمكن أن ينزل بها من إحدى المؤسسات الساهرة على احترام القانون، ولكنه العرف الذي جعل اللباس الذي يصلح للسهرة لا يصلح للعمل، وهي تمتثل لهذا العرف لتجنب عقاب من نوع آخر يمكن أن يسلط عليها من المجتمع وليس هذا العقاب إلا السخرية والازدراء أو النبذ الذي يمكن أن يتعرض له الفرد إذا ما بالغ في مخالفة أعراف مجتمعه وحاد عنها.

وقد يجد هذا في الطرح ما يسانده عند عالم الاجتماع “إميل دوركايم”، هو الذي يرى أن المجتمع يمارس نوعًا من القهر والجبر على أفراده حيث أنه يرسم لهم معالم الامتثال لما يسميه “الواجب الأخلاقي” باعتباره هو الغاية والضامن لاستمرار النظام والتوازن الاجتماعيين، كما أن هذا “الواجب الأخلاقي” يسلب إرادة ووعي الأفراد، لأنه لا يعبر عن سلطة فردية، لكونه نتاج ضمير ووعي جمعيين، وبالتالي فإن أفراد هذا المجتمع عندما يتصرفون تصرفًا أخلاقيًا، فإنهم فقط يمتثلون لهذه القواعد ذات الطبيعة الإكراهية. كما يرى “دوركايم” أن إرادة المجتمع تتجاوز إرادة الأفراد لأن الإنسان لا يمكن أن يكون إنسانًا إلا بانتمائه إلى مجتمع محدد.

نفس الطرح يذهب إليه “سيغموند فرويد” الذي يرى أن الوعي الأخلاقي يشكل بالضبط إحدى وظائف جهاز الأنا الأعلى المتمثلة في مراقبة الأنا، انطلاقًا مما ترسخ فيها (أي الأنا الأعلى) من قيم وقواعد غرستها الجماعة في ضمير الفرد.

ولا يتعلق الأمر بالقيم والأخلاق والقوانين والمثل العليا فقط كما وضحنا مسبقًا، فهناك أمور بسيطة في حياتنا نقوم بها دون أن ننتبه، ربما لهذا علينا أن نتوقف عن اتهام الآخر الذي يخالفنا بالتبعية وأنه أسير ومكره وأننا وحدنا الأحرار الذين يتخذون قراراتهم بكل حرية دون أي إكراه، فمهما بلغ تحرر الفرد فإنه يبقى في النهاية خاضعًا بشكل ما وإلى حد ما، ومكرهًا على فعل أشياء كي يرضى عنه المجتمع الذي يعيش فيه وأن يخضع لقانون أو عرف ويمتثل له، والأكثر دهشة ألا ينتبه لهذا الإكراه وأن يخضع دون إحساس بالخضوع ودون سؤال: لماذا يجب أن أفعل كذا وليس كذا؟ ولماذا هنا والآن؟ وليس هناك وفي وقت آخر؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد