إن فلسفة النظام المجتمعي في الإسلام تقوم على مبدأ الالتزام، وليس كأغلب الأنظمة الليبرالية، ولكنَّ هذا الالتزام لا بُد أن يكون طَوْعِيًّا، لا بالإكراه، وهذا ما يُدخل الحُرية إدخالًا في صُلبِه، وقد ذكر الإمام الطاهر بن عاشور في «التحرير والتنوير» في باب قضايا الطلاق أن التقييدات الموجودة هي على أساس الحُرية في العلاقة الزوجية، والإمام الشافعي له نقاش طويل في مسألة الحجر على السفيه، وهذا مما يدل علي أن الأصل في الإسلام هو الحرية، ومن يطَّلِع على دستور المغرب الذي ألغاه الاستعمار الفرنسي بعد قدومه، سيظهر له جليًّا أنه أكثر حرية من الدستور الفرنسي ذاته. وهذه فقط نماذج قليلة للدلالة على أن الحُريَّة هي الأصل، وإلا فالمصطلح المقابل للحرية في المجتمع هو النفاق، وتكون العبودية شيئًا مُتعايَشًا معه فقط، والمنافقون في الدرك الأسفل من النار، فهل يصِحُّ في الأذهان أن دينًا يريد كمال المجتمع أن يحتكر حرية الإنسان ويستعبده كالمادة!

هل الحرية في المجتمع الغربي أم الإسلامي؟

إن مشكلتنا في المجتمع العربي، أننا نرد دعاوى الغرب ونريد إنكارها كلها، غثها وسمينها، دون الوصول إلى مناط المشكلة، فمثلًا حينما أُثِيرَت قضية المساواة بين الجنسين، سارع البعض إلى إنكارِها، مع أن المساواة بينهما في أصل الإسلام مع اختلاف الطبيعة بين المرأة والرجل، والحرية التي يطلُبُها الإسلام هي – كما قال الشيخ محمد الغزالي في كتابه «ظلامٌ من الغَرب» – حرية الإرادة، لا حرية الشهوة، فعقلية الغرب الرأسمالية لا يمكنها ترويج منتجاتها إلا من خلال الاستهلاك أي الشهوات التي تتطلب في إلحاح تلك المنتجات، وهذه الحريات وصلت لمرحلة تشييء الإنسان، وجعله مادة فوضويَّة، فمثلًا نجحت شركات الإباحية والجنس في إقناع بعض الحكومات بأن يُخفض حرية الجنس من 18 عام إلى 13 عامًا، بالتأكيد هذا ليس حبًّا في تفتيح الأطفال على الحرية الجنسية باكرًا، وإنما لتوسيع المستهلكين لمنتجهم الجنسي. فمُشكلة التشريع الإسلامي ليس مع الحرية، بل الإشكال مع حريةٍ تَقدُم بخلفية وثنية إباحية مادية، مفتقدة لمعنى الإنسانية والإرادة في ذاتها.

وهذا ما أنتج مفارقة ضخمة؛ ألا وهي أن أكبر المدافعين عن الحرية المزعومة تلك هم أكبر ضحاياها، وأكثر المستفيدين منها هم المستبدُّون، وهذا يظهر جليًّا كالشمس أن أكثر مستفيد بتقييد حرية الإرادة هو الحاكم، لأنه في المقابل حرية الشهوة تُلهي الشعوب كالأفيون، وتسلب إرادتهم كما وضحنا آنفًا، ولكن الحرية الحقيقية هو منعها باسم الاحترام والتقاليد والعفة وصون المجتمع، ومنع الفوضى، وفي الأخير هو يستفيد من ذلك لأنه يقيِّد الحرية العامة، ويسمح بالحرية الفردية التي أنتجها الغرب كالشذوذ، والإفطار جهرًا في رمضان. فمناط الأمر أننا نريد الحرية العامة فإن أتت ستكون الحرية الخاصة تابعة لإرادة الإنسان.

عقوبة الردَّة والحرية

يأتي السؤال دون تفكير: إذا كان الإسلام فيه حرية الاعتقاد، فلماذا يأمر الشارع الإسلامي بقتل المُرتَد؟ وبسبب هذه الإشكالية فقد أنكر البعض حدَّ الردة في الإسلام من أصله، وهناك من دعا لإلغائها تمامًا، إلخ.. ولكن الجواب الشافي حقيقةً كان عند الدكتور طه جابر العلواني في كتابه «لا إكراه في الدين» أن حد الردّة كان لموقف حمل السلاح والتمرُّد على الدولة، وليس أمر الاعتقاد؛ ولذلك كان النقاش الذي حصل بين عمر بن الخطاب وأبي بكر، رضي الله عنهما، حينما تردد عمر في محاربة المرتدين؛ لأنه تربى على حرية المعتقد في ظلال هدي النبي، صلى الله عليه وسلم، ولم يكن الأمر مقاتلة الغير لأجل الاعتقاد. والمسلمون عبر التاريخ لم يجعلوا الفيصل في موقفهم من الآخرين هو الاعتقاد، ولذلك حد الردَّة يجب أن تضعه الأذهان في موقفه التاريخي، وأن نراجع أنفسنا، وأن ننظر في أن الاعتقاد الإجباري يورث الناس رغمًا عنهم النّفَاقَ، وهو أسوأ من الكفر.

لماذا أشياء خاصة بالمرء لا تضر ليس فيها حرية؟

وهنا يتأتى أمر الحرية حين تتنافى مع أبسط ميول الفرد التي لا ترتبط بالمجتمع أو الإرادة، مثل اللحية وصلاة الجماعة وحلق القزع والأخذ من الحاجب وغيرها.. فلو أننا راجعنا الأحاديث النبوية الصحيحة، لوجدنا أن بعض القضايا مثل صلاة الجماعة مثلًا ذات أصلٍ تربوي لا أصل تشريعي، ففي الصحيحَيْن عن أبي هريرة، أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم قال :«قد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم أخالف إلى منازل قوم لا يشهدون الصلاة فأُحرِّق عليهم»، فلماذا لم يفعلها النبي، صلى الله عليه وسلم؟! وكذلك عن موسى بن خلف، أن عمر بن الخطاب مر برجل يُكلّمُ امرأةً على ظهر الطريق، فعلاه بالدرّة (أي السَّوط)، فقال له الرجل: «يا أمير المؤمنين إنها امرأتي»، فقال عمر: «فهلا حيث لا يراك الناس». فشتَّان أن نجعل الأمر تربويًّا وأن نجعله تشريعيًّا، فالتشريع يحاكم عليه القضاء، أما التربوي فبين العبد وربه.

 كثير من طرق الحث على الاستقامة هي أساليب تربوية لا فرضيّة، ولذلك نموذج مثل «داعش» حينما يستعمل الإجبار على دخول الدين فيتولد الخوف والذُّعر والكره والنفاق، وقد رأينا هذا التعصب الأعمى في هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حينما روى أحدهم حد القمع والجهل في تعاليم الدين، فقد روى واحد ممن عايشهم أن أحدهم قتل طبيبًا لأنه وَلَّد زوجته عندما أتاها المخاض إشفاقًا عليها من الموت، وروى أحدهم أنه رأى بعينيه أعضاء من الهيئة يدخنون في السيارات أثناء الصلاة. فإن القمع يخلق الخوف ومعه النفاق. فالإسلام ليس جوهره الفرض والإجبار وتلك المظاهر التي ذكرناها توًّا، أصلها الخلق والتراحم والتربية والحرية والتكافل. فيجوز أن يحفِّز كل من يرى ضرورة للحية أو النقاب وأضرابها أن يحفِّز ويرغب بالوسائل التربوية التي لا تُبنى على إجبار، وإلا سنبدأ مجددًا في مجتمعات الخوف كما في العصور الوسطى ومحاكم التفتيش.

حتى الصيام فهو قضية عقدية وفيها حرية. فلا صيام بالإكراه. لو تتبعنا الفضائيات الغربية لوجدنا أنهم لا يثيرون من مشكلات إلا هذه الإشكاليات عن الإسلام ويسلطون الضوء عليها، فالأمر أنه لا يجوز أن تحاسب أحدًا لأنه أفطر رمضان؛ بل لا يجوز أصلًا أن تسأله إن كان صائمًا أم مفطرًا. إنما الأمر ثائر حول الجهر بالإفطار فهذا مما لا يجوز؛ لأن هذا يتنافي مع حفظ نظام المجتمع الذي يتأتى في صلبه الحرية كما وضحنا سابقًا. إن الإسلام يستفزُّ الشعور العام أن يفطر المرء في نهار رمضان، أي في الظاهر للناس. أما لو أنكر المرء وأفطر أو ترك الصلاة وغيرها من الكبائر في الإسلام، فهذا بينه وبين الله. لا يمكن أن نسائل الناس عن عقائدهم وعبادتهم فهذا ليس من شأننا، وهذا يجري تصحيحه بالتربية مع إنسان حر، فنحفظ بذلك حريته وقيم المجتمع.

لا فائدة من الحرية إن توجَّسنا منها

للأسف قد صار عند المسلمين شعور أن الضبط والمراقبة أهم من الحرية والإبداع، هل يعقل أن نستمر بهذا المنطق! لماذا يستسهل كل منا أي شيء يسمعه أو يقرأه عن الإسلام دون الرجوع لنص القرآن وأصول التفقه وتدبر سيرة النبي وأحاديثه. يجب أن نعود إلى أصولنا، لنعرف كيف ربى النبي، صلى الله عليه وسلم الصحابةَ رضوان الله عليهم، كيف وهو يعلم المنافقين واحدًا واحدًا، وهو يعلم طبيعة اليهود وما يُبَيّتُون، مع ذلك كان يتعامل بأقل قدر من العقوبات وأقل قدر من التعاذير، وأقل قدر من الضوابط. وأستدل بمقولة علي عزت بيجوفيتش، رحمه الله، في «الإعلان الإسلامي»: «إذا كثرت الاختلافات والاختلاقات في المجتمع المسلم، فيجب أن نحد من التشريع ونشرع في التربية». ولكننا للأسف الشديد استنشق أغلبنا هواء العبودية حتى نسينا نسيم الحرية، ولم نعد نعطي لأنفسنا ذرة تروٍّ في إعادة النظر والانفتاح والتدقيق في ديننا، إننا في هذا الأمر منذ نهاية القرن التاسع عشر، وبعض الإسلاميين ممن اكتفوا بالنقل عن شيوخهم دون تمحيص، ينعمون بالحرية في بلاد الغرب، وتلك الحرية هي التي سمحت لهم بتشكيل المعاهد العلمية والدعوة إلى الإسلام، وإن سألت أحدهم: ما كنت لتفعل لو تملكت مقاليد الحكم؟ لأجاب: سأمنع هذه الحرية، وأفرض نموذجي أنا في هذه الدولة.

هذه مفاهيم جاهلة، فمهما طال الكبت والاستبداد فلن يستمر والتاريخ شاهد على هذا، لا حل سوى الفِكر والتربية في مناخ الحرية، ومن أراد أن يحفظ للمجتمع تديُّنه فليحفظ له حريته، والذي يعيش في جو الكبت والاستبداد هو أشبه بعبد أو أمة. والإسلام لغة مخاطبته: يا أيها الناس. وكلمة الفاروق عمر الخالدة :«متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتُهُم أحرارًا».

مقصِد الأمن أم مقصِد الحُرية؟

في الآونة الأخيرة ظهر بعضهم مدعيًا الحكمة؛ لأنه قال فيما مضي أن المطالبة بالحرية يتنافى مع الأمن في المجتمع، كأنه لا أحرار آمنون! بئس المقايضة، فإنها والله لا تنم إلا عن جهلٍ لاذِع، وإننا في هذه الدوامة العمياء منذ عقودٍ طالت. مقايضة بين الأمن والحرية، والحقيقة أننا خسرنا كليهما؛ إذ لا أمن بدون حرية، وصاحب الأمن يقدر على توفير الأمن دون تكبيل من يؤمّنُهُم، وإن هذه المقايضة هي التي يبثُّها المستبد بين شعبه. وهذا منطق إسرائيل مع الفلسطينيين؛ إما أن تصمتوا عن حقوقكم وإما أن تموتوا، فلا منال لهذا ولا هذا في الأخير.

في الأخير أذكر ما قاله مصطفى أمين في مذكراته «أولى سجن» حينما ذكر أن أحد المساجين كان يضع الحِبْرَ في عينيه حتي يؤخَذ للمستشفي فينعم بشيءٍ من الحرية فيعلق مصطفى أمين قائلًا: «رجلٌ يضحي بحبيبتيه لأجل متسعٍ من الحرية». إن الحرية هى أغلى ما يملك الإنسان، فبها ينال ما يريد، ويعتقد ما يريد راضيًا غير مُخَوَّفٍ، ويمتلك الحق في الاختيار، والحق في المشاركة والحق في العبادة، ويكون إنسانًا فَعَّالًا حر الإرادة، وهذا كله منظومة القيم في الإسلام ولا شيء يستعبد الإنسان في منهج الإسلام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد