الحرية في دين الله ج(2)

النبي إبراهيم وتجربة الانعتاق العظيم

يعد النبي إبراهيم عليه السلام نقطة تحول في مسار الهداية لاستكمال مشروع الاستخلاف الإنساني على هذه الأرض؛ لذلك احتفى به القرآن الكريم كل هذه الحفاوة‏، واختاره الرب تبارك وتعالى ليكون النموذج القدوة (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ)، بعدما ‏أتم واستوفى كل متطلبات الاختبار المبين، فجُعل ‏للناس إمامًا (وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ۖ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا). (البقرة: 124).

فبعد أن نضجت البشرية وتطورت وأثرتها التجارب كان لابد أن يتطور معها مسار الهداية فبعد أن بدأت بصورة تجسيدية بحته في الملأ الأعلى، (آدم والملائكة والجنة والشجرة والشيطان والغواية المباشرة)، أخذت البشرية تنتقل بالتدريج من التجسيد إلى التجريد في التعامل مع المحسوسات‏ ‏والمدركات. لذلك فإن أول ذكر للكتب السماوية التي ذكرت في القرآن الكريم هي صحف إبراهيم، (إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُف الْأُولَى صُحُف إِبْرَاهِيم وَمُوسَى)، وهناك في بلاد سومر حيث خط أول حرفٍ في التاريخ في تاريخ المعرفة الإنسانية كانت تدور بداية هذه القصة، والتي ستكون نقطة تحول في مسار الهداية والاستخلاف الرباني لهذا الإنسان.

‏عادة ما كان يشكل النبي مع قومه أمة، ولكن إبراهيم كان وحده أمة (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّله). (النحل 120).

فلذلك تتنافس الديانات السماوية وحتى الوثنية بالتسابق للانتساب اليه (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا، وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ). (آل عمران: 67)، كانت هذه مقدمة تعريفية بنموذج أمرت أمة الرسالة الخاتمة بالاقتداء به، وتشرفت بالانتساب إليه ‏(إنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ). (آل عمران: 68)، (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۖ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ). (النحل: 123) للدخول والتعرف على تجربة تحرر إنساني عظيمة على مستوى الفرد يخوضها نبي بمفرده، والتي خاضها في ما بعد صاحب الرسالة الخاتمة مع أمته بكل تفاصيلها ومراحلها بعد أن بلغت البشرية سن رشدها الكامل.

تبدأ أولى مراحل التحرر في تجربة الإعداد العظيمة هذه: بالتحرر على المستوى الداخلي، فعندما يبدأ الإنسان بطرح أسئلة الوجود بينه وبين نفسه تكون رحلة اليقين قد بدأت ليخطو إبراهيم أولى خطواتها في هذه الطريق الشاقة نحو اكتشاف ‏الذات ولتأدية الرسالة متقلب بين الشك واليقين باحثًا عن الحقيقة بالملاحظة والاستنتاج، (وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَىٰ كَوْكَبًا قَالَ هَٰذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَٰذَا رَبِّي هَٰذَا أَكْبَرُ ۖ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ) متحررًا من هيمنة الأشخاص ومن سلطة المسلمات الوثنية الأولى حيث تبدأ مسلمات المجتمع وموروثه الآبائي بالانهيار والتصدع مع فتح باب النقد والتفكير، (إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَٰذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ . قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ. قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ). (الأنبياء 52-54).

فكلما كانت الأفكار التي نتبناها ونؤمن بها لا يد لنا في اختيارها، سواء توارثناها، ‏أو فرضتها علينا البيئة المحيطة بشكل من الأشكال فهي من باب الإكراه، وبقدر إيماننا كرهًا بفكرة ما، فإننا سنبقى نحاول فرضها بالإكراه على من حولنا، فبالقدر الذي أكرهنا عليها سنكون إكراهيين في فرضها على الآخر، لذلك كان هناك اللاإكراه في الدين (ولَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حتى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ). (يونس:99)، وحتى وإن كانت هذه الفكرة يقينية لا ينبغي علينا ‏إكراه أحد عليها كما قال القران الكريم على لسان نوح عليه السلام، (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ). (هود:28). فالوصول إلى الفكرة بحرية تامة سيمهد الطريق للقناعة والإيمان الراسخ بها. فالإيمان المطلق بالمورث وعدم تمحيصه بعين الشك للوصول إلى حقيقته سيصنع طبقة متكلسة تقيد العقل وتعرقل الحركة أمام الوعي والإدراك.

ثانيًا: التحرر من سلطة المعرفة البديهية (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ۖ قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا ۚ وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (البقرة:260) وهو عدم التسليم بترك فجوات وأسئلة بلا إجابة، والبحث عن إجابات يقينية مقنعة لها. هذا السؤال لو سأله شخص لنا اليوم لاتهمناه بالإلحاد والترويج له. بينما هو صدر من نبي بل من أبو الأنبياء وأعظمهم بعد النبي الخاتم. إن الإيمان الذي تبناه سيدنا إبراهيم هو إيمان تحقيقي لذلك رسخ في قلبه كل هذا الرسوخ لا الإيمان المورث الذي يترك فجوات وأسئلة بلا إجابة على قاعدة (الاستواء معلوم والكيف مجهول والسؤال عنه بدعة).

ثالثًا: التحرر من الخوف والاستعلاء على الطغيان، وهذه مرحلة معقدة؛ حيث إن ‏الخوف حالة غريزية يصعب التحرر منها، وتلافي آثارها النفسية، والإنسان الذي يتحرر منها يصبح هو من يصنع البيئة الآمنة والمطمئنة لنفسه وسط بيئة طاغية ومضطربة (قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ)، (وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا ۚ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ)، فهو تحرر شعوري بامتياز.

رابعًا: التحرر من هيمنة الارتباط بالمكان ففكرة الهجرة تصبح مع الوقت ملازمة للشعور بالحرية، فالهجرة أحيانًا تكون ضريبة نجبر على دفعها عندما يجبرنا الارتباط بالمكان في كثير من الأحيان أن نتنازل عن ‏حريتنا في الاختيار، أو عندما يكون المكان عامل استضعاف وعجز عن الفاعلية (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا)، وها هو إبراهيم يتخلى عن الأماكن التي تساومه على حريته (فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

خامسًا: التحرر من الأثر النفسي الذي يتركه ‏ فينا الصراع مع الآخرين، حيث يظهر الأثر النفسي في أدنى درجاته بالحقد والكراهية والرغبة في الانتقام، بينما تأتي ترجمته العملية بردات فعل عنيفة تهدف إلى الإلغاء والإقصاء والإبادة، نجد في سلوك إبراهيم واستغفاره حالة تحرر عجيبة من آثار الصراع والمحاورة مع المخالف (قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ ۖ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ ۖ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا. قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ ۖ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي ۖ إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا). (مريم 46 -47)، وكذلك مجادلته عن قوم لوط، وهم من أخس الناس خلقًا ‏وإجرامًا، بل وصل بهم الانحراف إلى أعلى مستويات الشذوذ، (فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَىٰ يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ. إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ). (هود 75-74)، إن المقيد بالمشاعر السلبية تجاه خصومه لا يمكن أن يكون شخصًا حرًا؛ فالحقد شكل من أشكال العبودية البدائية حينما يتمكن من صاحبه يكون قد قضى على بقايا الإنسان داخله (رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ ۖ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي ۖ وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (إبراهيم 36) (وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ. إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ). (الصافات 84 -85).

سادسًا: وأخيرًا التحرر من قيود المشاعر التي تربطنا بأحب الناس إلى قلوبنا لا تجريدًا من المشاعر لذاتها، ولكن لمنع تلك المشاعر من أن تكون عامل انحياز أو ترجيح ففي النقطة السابقة كان التحرر من الأثر النفسي الذي يتركه الصراع مع المخالف وهنا العكس (‏فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ). (الصافات 102).

فهنا كانت الخطوة الأخيرة، والأخطر على الإطلاق التحرر المطلق والتخلي عن كل شيء في سبيل الإيمان (فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ. وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ . قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا ۚ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ. إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ. وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ) (الصافات 103-107)، وهكذا يكتمل النموذج (وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى). (النجم 37)؛ ليجعل الرب منه القدوة والأسوة الحسنة. فقد اختبر الايمان الذي بناه وترسخ في قلبه عبر هذه المحطات ليصل به إلى الجزء الأخير منه التسليمي والذي تغيب فيه الحكمة بعد أن بنى كل أجزائه واركانه بناءً تحقيقيا فهو قد خبر حقيقة الموت والحياة بدخوله في النار والنجاة منها ,ورأى بأم عينه إعادة الحياة لكومة من اللحم المقطع المخلوط المبعثر (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ۖ قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا ۚ وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (البقرة 260)

هذه التجربة تحتاج منا أن نخوضها ونتمثلها جميعًا على مستوانا الشخصي برمزيتها ودلالاتها؛ إذ إن المشكلة اليوم لدينا أننا نطالب بالحرية، وبالتحرر على مستوى المجموعة، ولكننا كأفراد قمة في الاستبداد، وما نؤمن به كمجموع نكفر به كأفراد عندما يتوجب علينا ‏تسديد مستحقاتها للآخر.

التحرر على المستوى الداخلي، ومن هيمنة الأشخاص، ومن سلطة المسلمات، والموروث الآبائي، والانتقال بكل حرية بين الشك واليقين؛ للوصول إلى الحقيقة والتحرر من سلطة المعرفة البديهية، والبحث عن الحقيقة التي يطمئن لها القلب والتحرر من الخوف والاستعلاء على الطغيان، ومن هيمنة الارتباط بالمكان والتحرر من الأثر النفسي الذي يتركه فينا الصراع مع الآخر، وأخيرًا التحرر من قيود المشاعر التي تربطنا بأحب الناس إلى قلوبنا كانت تلك أبرز محطات التحرر والانعتاق الإبراهيمي التي أشار إليها القرآن العظيم.

يتبع.

مراحل التحرر مقتبسة بتصرف من كتاب قصة الحرية بين النص القرآني والتطبيق التاريخي للإسلام للدكتور عماد العبار

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد