كثيرًا ما نتحدث عن الحرية ونطالب بها في كل مكان وزمان، ولكننا أخطأنا في فهم الحرية حتى حرمت علينا، الحرية تلك التي نشتاق إليها، لكنها تستعصي وتتمنع، يبدو أن ذلك بسبب ما مررنا به في العهود السابقة وما زلنا نعاني منه حتى الآن فمنذ أن كان يحكمنا النظام الملكي وإلى الآن أراد الجميع أن يُبعدنا عن الحرية أرادونا لا نفقه شيئًا حتى أصبحنا جهلاء.
وليس الجهل في القراءة والكتابة، ولكن الجهل في أن نجهل معنى الحرية، جهلنا بالحرية، فرصة ذات قيمة عظيمة تستخدمها الأنظمة الحاكمة في القمع والاستبداد، وعندما يخرج من بيننا من يعلم المعنى الحقيقي لتلك الكلمة يجد وابلًا من الرماح تنتظره حتى يكبل ويخون وينهش في وطنيته كل إعلامي متسلط لا يبتغي شيئًا إلا رضى سلطانه خاصة في الحياة السياسية، الأمر الذي يعطي الحاكم الظالم المتغلب مقاليد الأمور، ويجعله يفعل بنا ما يشاء، حتى يسومنا سوء العذاب، مما يجعله يحكم بما يراه هو صالحًا، لا بما تراه «الرعية»، تلك الكتلة من البشر التي لا ملامح لها، ولا رأي، ولا إرادة، فالبنسبة لهم ليس لها قيمة إلا عندما يريدون استخدامها كيفما يشاؤون.
فكل صوت ينادي بالحرية يكون استثناء، ومجرد صدى لنفس لوامة كان الأصل فيها أن تستكين، وتساير الركب، ولا تتجاوز الهامش المرسوم لها سلفًا، فإن الشعوب نفسها أصبحت تعتقد، إلا من رحم ربي، أن الحرية لم تُفصل أصلًا على مقاسنا، وأن بيننا وبينها، في أحسن الأحوال، سنوات ضوئية، وأصبح كثير منا يقولون ما الداعي أصلًا لهذه الحرية، ما دمنا نجد طعامًا وكساء ومأوى يحمينا من الحر، فقد سيطر الإعلام المضلل على العقول بالمفاهيم الخاطئة، جعلوها تتيقن بأن الفتات الذي يلقى لها هو فضل عظيم يجب أن يحمدوا سلطانهم على ذلك الفضل العظيم!
فلا بد إذًا من حاكم بطل، تتوافر فيه مواصفات خارقة كي يُمسك بين يديه كل السلطات، ويسوق هذه الشعوب حيث يشاء بإرادة مطلقة، وحزم قوي،وفي اتجاه يختاره هو حسب ما يشاء.
لا كلمة إلا كلمته، ولا صوت يعلو فوق صوته، جعلونا نتيقن أن ذلك لا يوجد إلا في شخص ذو خلفية عسكرية، وكل من تحدثه نفسه بعكس هذا، فهو خائن أو مارق أو مغضوب عليه..
كثير من الأسئلة تتردد في ذهني هل نستحق الحرية؟، سواء في شكلها الفكري أوالعقائدي، بمعنى أن تكون لنا قناعاتنا واختياراتنا التي نرضاها مختارين دون جبر أو إكراه، أو في شكلها السياسي والدستوري، بحيث يكون من يحكمنا بإرادتنا واختيارنا وكامل حريتنا، فيكون لنا الحق أن ننتقده ونواجهه، والحق أن يقبل أو يرفض ما نقول، وهل لنا الحق أن نعزله، وأن نراه بشرًا ككل الخلق وليس إنسانًا بمواصفات شبه إلهية إن لم تكن إلهية في نظره؟
هل ننتظر إلى أن تُبدل السموات غير السموات، وتصبح الأرض غير الأرض، لكي نؤمن بالحرية ونطالب بها؟
هل هو فعلًا مكر التاريخ، أم جهل منا أم أنه قانون أبدي، أم أن الحرية في حقنا حرام؟ أم أن الأمر بيد الشعب المغلوب على أمره؟
لا فرق بين الأمس واليوم لم يتبدل الأمر كثيرًا، هو التاريخ نفسه يتكرر، تُختزل الأمة أو يُختزل الشعب في شخص الحاكم. وتصبح الحرية مطلبًا حرامًا.
فلنخلع عباءة الخوف ولنخرج من هذا الكوخ المظلم، فلنقتل سجاننا بأيدينا لكي ننال حريتنا، بل لكي نستحقها من أجل أن نحيا حياة كريمة لا يشوبها استعباد وطغيان فلقد خلقنا الله أحرارًا فلا نستعبد أنفسنا، ولا نعطي أحدًا الحق في أن يحرم علينا حريتنا، فلنعلم أبناءنا معنى الحرية ولا نجعلهم يدفنون رؤوسهم كالنعام في الرمال.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد