الأكراد شعب قضى أكثر من 25 قرنًا من الزمان يبحث عن وطن وعن هوية، دفع الدم والعرق والجهد من أجل تحقيق الحلم القومي الكبير لأبنائه، شعب أثخنته الجراح وأوجعته الصراعات الداخلية والخارجية، وسرقه الزمن الذي أفلت من بين يديه، دون أن يشعر، وفي كل مرة يبعث الأكراد برسالتهم إلى العالم المتمدين الحر، ولكن لا أحد يسمع أو يرى أو يتكلم.

الأكراد شعب مسلم شديد التمسك بالإسلام شديد الإخلاص والوفاء له، وقد قدم الأكراد خدمات جليلة للإسلام والمسلمين، وليس هناك مجال الإفاضة في هذا الموضوع، وإلا احتجنا لــكثير من الكتب والموسوعات التي تعكس روح التضحية والفداء والاستبسال لدى الأكراد. ولكنا هنا نضع مجرد رؤوس أقلام لإظهار المواطن الكردي المسلم.

تصدى الأكراد للقائد المغولى هولاكو خان في القرن الثالث عشر عندما جاء لغزو غرب اسيا سنة 1252 م وكان مهمة هولاكو هي القضاء على الأكراد وقد استطاع الأكراد قتل 20 ألف جندي مغولي أمام قلعة أربيل في أشهر موقع انتصر فيها الأكراد على أعدائهم المغول.

وكانت كردستان دائمًا معقلًا هامًا من معاقل الإسلام والمسلمين حيث تصدت أكثر من مرة لموجات الغزو التتري والمغولي، حيث قاوموا بعد ذلك تيمورلنك سنة 1400، وعندما حل القرن العشرون واندلعت الحرب العالمية الأولى اشترك الأكراد فيها مع الدولة العثمانية المسلمة، واستبسلوا في الجهاد على الجبهتين القوقازية والعراقية، بالرغم مما ذاقوه من بطش وقمع وهوان على أيدي الأتراك، وبعد الحرب انقلب الأتراك على الأكراد، واتبعوا معهم سياسة التهجر الجماعة والإبادة وكتبوا مأساتهم بدمائهم.

قامت علاقة الأكراد والتركمان بالكثير من الحب والأخوة طيلة ألف عام من حكم السلاجقة والعثمانيين، حظوا بمعاملة راقية، ومنحوا كافة حقوقهم القومية الكردية، وفضلوا طبقيا على العرب والفرس حتى تأسيس دولة تركيا الحديثة عقب الحرب العالمية الأولى من قبل كمال أتاتورك بعد اتفاقية لوزان التي جعلت من سياسة التتريك القصرية من تهميش للأرمن والأكراد والعرب، وأي عنصر مختلف ولو قليلا عن العرق التركي كما فرض في الدستور  اللغة التركية رسميًا، ولم تعترف باللغات والقوميات المتنوعة وحاولت الحكومات المتعاقبة بصراعها المتأصل تهميش الهوية الكردية التي تشكل من البلاد من 15- 20 بالمائة بحظر ممارسة عاداتهم وتقاليدهم وتجريم التحدث بالكوردية أو حتى ارتداء أزياء والتسمية بأسماء ذات طابع كردي.

في بداية القرن العشرين بدأ الكثير من الأكراد بالتفكير في تكوين دولة باسم كردستان وقد تم القبول من جانب الحلفاء الغربيون باتفاقية سيفر إلا أنها اندثرت بعد أقل من ثلاثة أعوام بتوقيع اتفاقية لوزان التي جعلت من الدولة المستقلة حلم طيلة ثمانين عامًا.

في عام 1978 أسس عبد الله أوجلان حزب العمال الكردستاني، وبدأ الكفاح المسلح عقب ست سنوات من تأسيسه ونادى بتكوين دولة كردية، وبعد حصيلة 40 ألف قتيل، وإعادة توطين مئات الآلاف.

 تراجع عن فكرته في التسعينات ليطالب بمزيد من الأنفصال للحقوق السياسية والثقافية وبعد مرور عقدين في عام 2012 قامت معاهدة سلام بين السلطات التركية وحزب العمال لمدة سنه بشرط تراجع مقاتلين الحزب إلى شمال العراق، إلا أنه استمرت الاشتباكات مع تعقيدات إضافية للصراع التركي – الكردي.

تشن تركيا حملات أعلامية منذ عقود إلى وقتنا الحالي فكرة تأسيس دولة كوردية في الشرق الأوسط لأنها ستقوم على خدمة مصالح إسرائيل مع أن الواقع يتحدث عن 63 اتفاقية تبادل تجاري بين تركيا وإسرائيل وأن حجم التبادل التجاري بين تركيا وإسرائيل في 2002 كان يبلغ 1.4 مليار دولار ومع تولي حزب العدالة والتنمية السلطة منذ 2002 إلى 2014 ارتفع التبادل إلى 5.8 مليار دولار أي بزيادة تبلغ أربعة أضعاف! مما يجعل فكرة تحقيق تركيا مصالح الاستراتجية الداخلية والخارجية على حساب المكون الكوردي حق غير مشروع كما أن اضطهاد إيران لجميع الأعراق، وجعل حكم البلاد قائم على 35 بالمائة فقط من الفرس على حساب تهميش البلوش والأكراد والعرب والتركمان ديكتاتورية عرقية ومن جهة أخرى تشهد سوريا حرمانهم من جميع حقوقهم القومية ومن الحصول على وثائق رسمية منذ تولي حزب البعث قيادة البلاد وتشهد العراق حرب دامية وسيطرة على مناطقهم وأبادات جماعية مضى عليها عقود من الكيماوي في الحويجة إلى قيام العبادي بحملات تطهير طائفية وطردهم خارج محافظة كركوك  بعد السيطرة عليها من قبل القوات العراقية والحشد الشعبي وتراجع البشمركة.

حلم كل كردي تأسيس بلاد ديموقراطية يكون له حق المواطنة دون سيادة عربية، تركية، فارسية عليه وهم يشكلون 30 مليون نسمه في أربعة بلدان (تركيا – إيران – سوريا – العراق) وتحتوي تركيا على 14 مليون كردي؛ مما يشكل خطرًا عليها من تصاعد النفوذ الكوردي في المنطقة وقواتها المسلحة التي تمكنت بقيادة البشمركة من صد التنظيمات المتطرفية وحماية كركوك من غزو داعش، وقد قام العبادي بتمويل من قبل السلطات التركية والإيرانية بشن هجمة إعلامية وسياسية وعسكرية عليهم ودحرهم بشكل مؤقت، ولكن التاريخ يثبت لنا أن القوة الحقيقية تقع في أيدي ممن يحاربون من أجل الحرية والكرامة، وليست في أيدي الجبابرة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد