إن الحرية هي المبدأ الأساسي الذي أنشأه الله للخلق، بل إن الأديان السماوية كلها نزلت من أجل الحرية، بل إن الدين لا يستقيم إلا بوجود الحرية، فالله حين خلق الإنسان أعطاه الحرية في كل شيء لم يسلبه الإرادة، ولكنه كان متفقًا على أهم أسباب الحياة، فهي ليست غريزة قد نتركها أو نشبعها إنما هي أساس الوجود وأصل الخلق.

يقول الدكتور محمد إسماعيل المقدم:

«إن الزمان والمكان لا يصلحان إلا بوجود الإسلام» وأنا اقول إن الزمان والمكان لا يصلحان إلا بوجود الحرية وإن كان الإسلام أعم وأشمل، ولكن بيانًا لقيمة الحرية، ولسنا هنا لنتحدث عن الاصطلاحات ولا السياسات وإنما إثباتا أن الإله قد أقر مبدأ الحرية قبل كل شيء».

الله والحرية

حين خلق الله الإنسان أراد أن يحرره من كل شيء، من كل الشهوات ومن كل القيود وأعطاه الحرية في كل شيء، وتستوقفنا القصة الشهيرة لآدم «وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدًا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة» .البقرة 35

فالله كان باستطاعته أن يمنعه تلقائيا أو بالقوة ولكنه أعطاه حرية الاختيار وحرية الرأي، وهنا إثبات جازم على أن الخالق بنفسه لم يرد للمخلوق القهر ولا الحرمان من الحرية.

يقول «القديس غريغوريوس النيزنزي» :

«أيها الإنسان تأمل في كرامتك الملوكية إن السماء لم تُصنع على صورة الله مثلك ولا القمر ولا الشمس ولا شيء مما يُرى في الخليقة، انظر لا شيء في الموجودات يستطيع أن يسع عظمتك» (104 )

فالإنسان قد أخذ الكرامة من الخالق والحرية من الخالق فلا يحق لكائن من كان أن يسلب الحرية من أي شخص.

ويقول «القمص تادرس يعقوب»

«الله ليس عدوًا لحرية الإنسان كما كرَّر الماركسيون، ولا يقوم وجوده على عجز الإنسان وذله، إنما خلق الإنسان على صورته ليقبل خالقه صديقًا له، نرى الله يجري وراء الإنسان ليضمه إليه لا ليحطمه، ويرفعه إلى ما فوق الحياة الزمنية حتى بعد السقوط سمع السيد المسيح كلمة الله يقول «»لا أعود أسميكم عبيدًا لأن العبد لا يعلم ما يعمل سيده، لكنني سميتكم أحباء لأني أعلمتكم بكل ما سمعته من أبي» (يو 15: 15)

يقول «بردياييف»: «إن الحرية في الحياة الدينية واجب الإنسان، مُلزم بأن يحمل عبء الحرية وليس له الحق بأن يتخلص منها، الله لا يقبل إلا البشر الأحرار، إنه لا يحتاج إلا إلى بشر أحرار».

الله لا يقبل إلا البشر الأحرار! في تلك المقولة لست مؤلفا ولا كاتبًا إنما أنا قارئ مثلكم أريد أن أدخل في ثنايا تلك الجملة العظيمة أي إن عباد الله لا يجب إلا أن يكونوا أحرارًا، لا يجب أن يستسلموا ولا يجب أن تسلب حريتهم ولا كرامتهم، أي حرية تلك وأي رفعة تلك التي أعطاها الإله للإنسان.

وإن كان في رأي بعض المفكرين أن مبدأ الخلق والعبودية لله في حد ذاته هي أولى أسباب سلب الحرية، يقول سارتر «إن الإنسان يشبه في علاقته بالله المقص في يد الصانع»، رد عليه «شاول ميللر» قائلًا: «إن هذا المفهوم للخلق يفترض أنه لا يمكن أن تكون للإنسان أية ذرة من الحرية والمبادرة، كما هو وضع مقص الورق الذي هو سلبي تمامًا بين يدي من يصنعه أو يستعمله، كما قال: إذا كان الخلق هو صنع أدوات فلم يعد للإنسان سوى أن يدع نفسه يُستخدم من صانعه، في هذه الحالة لم يعد بوسعنا أن نرى في العالم سوى أمرين: إما السلبية المخزية، سلبية عبيد يزحفون أمام إله طاغية أو الاكتفائية المتكبرة، اكتفائية كأن يدَّعى أن لا أب ولا أم له» وأيضًا قال «هكذا فالمخلوق كيان قائم بذاته مستمد من الله، فمن هذا الكيان القائم بذاته بالضبط يستمد المخلوق قوة التمرد على الله، فيقبل الله بأن يستخدم المخلوق تلك الحرية التي وهبه إياها لينقلب عليه ليكون إلهًا دون إله.

فالحرية لم تكن قط مبدأً بشريًا أو صفة قد اكسبتها لنا الحضارة، وإنما هي فريضة إلهية وسمو للإنسان منذ الخلق.

وها هو الإنجيل يخبرنا بما فيه عن الحرية.

«دُعِيتُمْ لِلْحُرِّيَّةِ أَيُّهَا الإِخْوَةُ، غَيْرَ أَنَّهُ لاَ تُصَيِّرُوا الْحُرِّيَّةَ فُرْصَةً لِلْجَسَدِ، بَلْ بِالْمَحَبَّةِ اخْدِمُوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا» (رسالة بولس الرسول إلى أهل غلاطية 5: 13)

«هذِهِ هِيَ الدَّيْنُونَةُ: إِنَّ النُّورَ قَدْ جَاءَ إلى الْعَالَمِ، وَأَحَبَّ النَّاسُ الظُّلْمَةَ أَكْثَرَ مِنَ النُّورِ، لأَنَّ أَعْمَالَهُمْ كَانَتْ شِرِّيرَةً» (إنجيل يوحنا 3: 19)

«الحياة والموت أمام الإنسان فما أعجبه يُعطَى له)» سفر يشوع بن سيراخ 15-18

وإن من أعظم الآيات التي استوقفتني شخصيًا «وأما الرب فهو الروح وحيث روح الرب هناك حرية» 2كورنثوس3-17

فهنا إثباتا جازمًا وترابطًا بين وجود الله ووجود الحرية، فالله هو المعيار الأول والدليل الثابت والباثق على وجود الحرية.

ولننظر للحقيقة الأولى

هي أن القرآن ما هو إلا تذكرة، وإن كلًا من الرسل جميعًا، وآخرهم محمد بن عبد الله، صلى الله عليه وسلم، ما هو إلا مذكّر، مهمته محض التذكير، والنصح، والإنذار، والتبشير، والبلاغ، والشهادة، وتترادف في هذا المعنى وتتوالى الآيات منذ بداية الدعوة في الآيات التالية: سورة المزمل «إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلًا (19) »، وسورة المدثر «كلا إنه تذكرة(54) فمن شاء ذكره(55)»، وسورة الإنسان «إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلًا(29) »، وسورة المائدة «وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين(92)»، سورة الأعراف «قال يا قوم ليس بي ضلالة ولكني رسول من رب العالمين(61) أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون(62)» و«فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فكيف ءاسى على قوم كافرين(93)»، سورة الأعلى «فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى( 9) سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى (10)».

يقول الله تعالي في سورة الغاشية: «فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ( 21) لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ( 22)»، سورة فاطر: «إِنْ أَنتَ إلا نَذِيرٌ( 23)».

أي إن الرسول لم يكن إلا مبشرًا بالرسالة فقط ولم يكن له الولاية على أحد

الحقيقة الثانية

هي التقرير القاطع لمبدأ حرية المعتقد وحق الاختيار، وحق الصراع الفكري الأرحب، فما دام الرسول ليس إلا مذكرًا ونذيرًا وشاهدًا، فمن حق الناس إذن بعد ذلك اختيار ما يرون، على أن يكون الاعتراف بهذه الحرية وهذا الحق متبادلًا بين جميع الأطراف، فلا يعطِّل سيرَ الصراع إكراه مادي أو معنوي أو لجوء إلى أي ضرب من ضروب العنف، وتتسع هذه الحرية للفكر الذي يتناول أسمى الحقائق ولو كانت ذات الله سبحانه وجودًا أو وحدانية، وذلك يقينًا بأن ما هو أصوب هو الأقوى، ولا بد له من أن ينتصر في العقل البشري فلا حاجة إلى القوة المادية أو القسر أو الإكراه لتحقيق مثل هذا الانتصار، أما ما هو خطأ فهو الأوهن ولا بد له من أن ينهزم في العقل البشري، ولذلك فهو الأقرب عادة إلى اعتماد القوة المادية أو اللجوء إلى القسر أو الإكراه لفرض نفسه وتعود حرية الاختيار، حتى في معصية الخالق جل جلاله، إلى لحظة الخلق الأولى للبشر وأبيهم آدم، فأي تعليم إلهي للناس هو هذا الذي يضرب المثل في إفساح الخالق في مجال الاختيار الحر لمخلوقاته الملائكة في أن يسجدوا أو لا يسجدوا لآدم بعد أن أمرهم بالسجود وأقام لهم البرهان على أنه قد علَّم آدم ما لم يعلِّمهم وكرمه عليهم جميعًا.

إن التشابه الكبير والإثبات الواضح بين كل الأديان مسيحية ويهودية وإسلام إنما هو تأكيد على أن الحرية هي المبدأ الأساسي للخلق وأن العبودية لله هي قمة الحرية والإنسان قد استقى حريته من الله وأنه لا حياة بلا حرية ولا حرية بلا إله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

العذاب الاحمر ريتشارد وومبلاند _وجود الله وصورة الالحاد القس انجليوس جرجس -حقوق الانسان الدكتور محمد الغزالي -مشكلات في طريق الحياة الاسلامية الدكتور محمد الغزالي
عرض التعليقات
تحميل المزيد