“يولد الناس أحرارًا ويعيشون متساوين في الحقوق ولا تستطيع الفروق الاجتماعية أن تقوم إلا على الفائدة العامة، غاية كل رابطة سياسية المحافظة على حقوق الإنسان الطبيعية غير القابلة للتقادم، هذه الحقوق هي: الحرية والملكية والأمن ومقاومة الطغيان” كانت هذه هي المواد الأولى لإعلان حقوق الإنسان والمواطن الذي أصدرته الجمعية التأسيسية الوطنية في فرنسا خلال صيف 1789 م واعتبر بوصفه أساس دستور أمة عظمى. وعلى الرغم من عدم اشتماله على بعض الحقوق الإنسانية البديهية؛ مثل إلغاء الرق وحقوق المرأة، إلا أنه أحدث تأثيرًا قويًا في جميع أنحاء العالم على امتداد القرن التاسع عشر وحتى يومنا هذا، وتعتمد مبادئ الإعلان على عدة مبادئ فلسفية وسياسية تنتمي لعصر التنوير ولكن فلسفة “الفردانية” كانت على رأس تلك المبادئ والأسس.

 

حقوق المواطنة وتقرير المصير وحرية الاعتقاد والضمير وحقوق المرأة وغيرها من الواجهات البراقة لانتصار الإنسان في هذا العصر لم تكن لتتحقق لولا شيوع مفهوم “الفردانية”، ولا يستطيع أي مراقب أن يتجاهل دورها الجبار في إطلاق الطاقات الخلاقة بشكل يجعل الإنسان أكثر قدرة على الإبداع في ميادين الحياة المختلفة، لقد كان ظهور الفردانية – كرؤية فلسفية وحركة اجتماعية – إيذانًا ببزوغ فجر جديد يملك الإنسان فيه كيانه ويتصرف بحياته باستقلالية تامة بشكل لا نظير له في العصور السابقة.

 

تعريف بالفردانية وبداياتها كفلسفة ليبرالية
يقول الأستاذ الدكتور علي وطفة في محاولته لتعريف مفهوم الفردانية: “ترمز الفردانية إلى واقع اجتماعي وثقافي يستطيع فيه الناس، بوصفهم أفرادًا، اختيار طريقة حياتهم وسلوكهم وممارسة عقائدهم، كما ترمز إلى مجتمع يضمن فيه النظام الاجتماعي والقضائي حماية حقوق الناس بوصفهم أفرادًا غير مكرهين على التضحية أو التنازل عن شيء يعتقدون به”، والفردانية لا تعني الأنوية والنرجسية وغيرها من صور الذاتية حيث يكمن موطن الاختلاف – كما يؤكد د.علي وطفة – بين الفردانية والذاتية في أن الأخيرة تتجلى في اللحظة التي يرى فيها الفرد أنه محور الوجود ومركز الكون استجابة لنزعة أنانية سافرة ناضحة بالنرجسية، بينما لا تستلزم الفردانية سوى اتخاذ موقف معين من قضية ما أو مجموعة قضايا عن معرفة ووعي بأبعاد ذلك الموقف.

 

لا تتضح معالم الأفكار إلا بعرض نقيضها “فبضدّها تتبين الأشياء”، والفردانية تقع على النقيض من كل الفلسفات ذات البعد الجماعي سواء كانت نخبوية أو شعبوية؛ كالثيوقراطية والفاشية والشيوعية والاشتراكية وغيرها من الأيدولوجيات الشمولية، فهي ترفض مصادرة الإرادة الحرة للأفراد وتكبيل المجتمع بدعوى تحقيق العدالة الاجتماعية والمحافظة على التقاليد، وتحارب أحادية السلطة أو استعمال القوة القسرية لتحويل الدولة إلى إقطاعية تضمن مصالح النُخب الحاكمة، وتعارض بشدة فرض ضرائب حكومية هائلة أو فرض حظر على الملكيات الخاصة، فالفردانية في مآلها النهائي تهدف إلى جعل إرادة الإنسان الحرة شرطًا مسبقًا لتحمل مسؤولية الوجود استنادًا على قانون الحق الطبيعي بشكل يتعارض مع الفلسفات الجماعية؛ سواء الهيغلية (الوجود انعكاس للأفكار) أو الماركسية (الوجود انعكاس للمادة) حيث أكدت كلتاهما على وحدة المجتمع وألغت تعدد الأفراد.

 

ليست هناك بدايات محددة لفلسفة الفردانية كما يذكر العالم الأنثروبولوجي لويس دومون، ويميل البعض إلى أن جذورها كانت مبثوثة في ثقافات الشعوب منذ أيام سقراط صاحب المقولة الشهيرة (اعرف نفسك بنفسك)، ولكن تفعيلها كمنهج حياة تأخر إلى عصر النهضة الأوروبي، ففي تلك المرحلة برز دور كبير للأفراد سواء في إنجاز المخترعات وخلق النظريات ونحت المفاهيم، وساعدت العلوم التجريبية في ترويج النزعة الفردانية في الغرب عندما حلّ العلم مكان المقدس، وتم استبدال مفهوم السنن الكونية بقوانين الفيزياء والكيمياء، وكان للنشاط الاقتصادي الرأسمالي الذي يُمارس في سوق حرة دور كبير في إبراز ملامح الفردانية.

 

يعتبر عالم الاجتماع الفرنسي المعاصر ريمون بودون من أوائل من أثاروا – أكاديميًا – موضوع الفردانية كمحور مهم في مباحث علم الاجتماع، حيث اعتبر الفرد أداة التحليل الرئيسية للظاهرة الاجتماعية لأنها – أي الظاهرة – نتاج لأفعال ومعتقدات وسلوكيات الأفراد، ويجمع الباحثون على أن أصول المقاربة الفردانية تعود أساسًا إلى أعمال كل من فلفريدو باريتو (1848 – 1923) وماكس فيبر (1864 – 1920)، فالتمييز الذي أقامه فلفريدو بين الفعل المنطقي والفعل غير المنطقي بالإضافة إلى تصنيف ماكس للأفعال الإنسانية، شكلا الدعامة الأساسية التي اعتمد عليها رواد المقاربة الفردانية في كتابة أطروحاتهم.

 

الفردانية كأداة تحرير للإنسان ضد الشمولية
عبر تاريخ الأمم والشعوب كانت الحريات دائمًا رهينة تقاليد المجتمع ووعيه الجمعي، والغلو والشطط في المحافظة على تقاليد الثقافة الجمعية أفقد الأفراد استقلالهم وقضى على تميزهم، وتساوى الجميع تحت سياط المستبد الذي لم يكن يمثل سوى مصالح فئة ضئيلة، لكن النضال ومقاومة ثالوث الاستبداد (الكنيسة والدولة والإقطاع) في عصر النهضة أظهر النزعة الفردانية التي كانت قابعة في أعماق الناس منتظرة تحريرها من كل القيود؛ فماذا كانت النتيجة؟

 

لقد تحرر الإنسان ولكنه تحول – في البداية – إلى جزء من آلة صناعية ضخمة تضاءلت في ظلها خياراته الشخصية و”اغترب” عما ينتجه فليس بمقدوره امتلاك وسائل الإنتاج، ثم أتت الاشتراكية بقضها وقضيضها لتحارب الرأسمالية وتخرج الفرد من حالة الاغتراب والقهر ولكنها أدت إلى صهر ذلك الفرد في قالب الدولة والحزب الواحد!

 

من هنا جاءت مقولات الفردانية كـ “محاكمة فلسفية” للمذاهب العقلانية المتطرفة والدكتاتورية سواء كانت بنفس اشتراكي أو ليبرالي، وكانت أزمة إنسان القرن العشرين حين فقد إحساسه بالمستقبل وشعر بالضياع وعانى من الاغتراب سببًا جوهريًا في ميلاد أفكار فلسفية جديدة ذات نفس “فرداني”، حصرها الدكتور حسن الكحلاني في كتابه (الفردانية في الفكر الفلسفي المعاصر) بأربعة مدارس رئيسية: فلسفة الحياة، والفلسفة البراغماتية، والفلسفة الوجودية، والفلسفة الشخصانية. نستعرضها فيما يلي باختصار شديد:

 

1- ترى فلسفة الحياة وشقيقتها الفلسفة البراغماتية أن ما يحرك الإنسان ويدفعه إلى البذل والعطاء هي عواطفه وانفعالاته – في انتقاد لافت للمذاهب العقلانية – وتتمثل في إرادته التي تصنع الحياة، وتعمل الأشياء الموضوعية على سلب كل ما هو ذاتي – بما في ذلك الآلة والتقنية – حيث أصبحت تدمر ذواتنا الفردية وتحل محلها، ومن هؤلاء الفلاسفة نجد ديلتاي وبرجسون ووليم جيمس.

2- تسير الفلسفة الوجودية على خطى نيتشه في التحذير من خطر الاشتراكية وتمجيد القوة الفردية وتحليل نفسية الإنسان تحليلًا عميقًا من خلال إلقاء الضوء على علاقة الأنا بالآخر وخطر الاغتراب النفسي.

3- تنطلق الفلسفة الشخصانية من رفض النزعتين الفردانية والجماعية؛ وانتقدت تجاهل الوجودية للاعتقاد الديني وغلبة التشاؤم عليها فيما يخص العلاقات الإنسانية وعدم إمكانية وجود قيم مشتركة بين الناس، ودعت الشخصانية إلى إيجاد ثورة سياسية اجتماعية وفكرية لتأكيد مكانة الشخص الفاعل والمنفتح على الآخرين حيث تعطي الشخصانية الأولوية لجهة حل المشاكل الاجتماعية.

 

واقع الفردانية في العالم العربي
وفيما يتعلق بواقع الفردانية في العالم العربي؛ فيشير صاحب كتاب (مأزق الفرد في الشرق الأوسط) أن غياب مفهوم الفردانية – سياسيًا وثقافيًا – عن مواطني بلدان العالم العربي أسهم بصورة رئيسية في تعثر مشروع الحداثة، فالإنسان العربي ما زال خاضعًا لإملاءات الجماعة بتجلياتها المختلفة ابتداءً بالعائلة ومرورًا بالقبيلة وانتهاءً بالطائفة أو الحزب، وإذا حصل تعارض بين مصلحة الفرد ومصالح تلك الجماعات فإن الثقافة العربية لا تدخر جهدًا في حسم النزاع لصالح الجماعة وقمع الفرد.

 

وهشاشة مبدأ المواطنة في دول العالم العربي مقارنة بالدول الغربية يرجع سببها إلى دخول هذه الكيانات الجماعية على خط علاقة الفرد مع الدولة، فلا تغدو تلك العلاقة “خطية واضحة المعالم” بل تتأثر بالخارطة الاجتماعية التي تتحكم بها تلك الجماعات، ونظرًا لوجود علاقة طردية بين تطور مفهوم الفردانية في الغرب وقوة الدولة وازدهارها الاقتصادي الذي يتيح للمواطنين هامش خيارات أكثر للتحرر من الولاءات الاجتماعية الضيقة؛ فليست هناك فرصة حقيقية – حسب رؤية صاحب الكتاب – لإنجاز تنمية اقتصادية أو تحقيق رفاه اجتماعي في أي بلد لا يعترف بحقوق الأفراد، الأمر الذي ينسحب على جميع البلدان العربية.

 

رسوخ البنية التقليدية في الوعي الجمعي لشعوب المجتمعات العربية ملمح آخر للتعثر في عملية انبثاق الفرد الحر، يقول المفكر المغربي محمد سبيلا: “لاشك أن انخراط مجتمع من المجتمعات في سيرورة الحداثة والتحديث لا يقوم فقط في استعماله للآلات التقنية وفي اقتباسه لبعض مظاهر الحداثة السياسية، بل في توافر دينامية داخلية عميقة تتمثل في اعتمال البنيات الاجتماعية والثقافية لتيسير عملية انبثاق الفرد الحر الفاعل، وانتفاء أو تباطؤ هذا الشرط يجعل عملية “التحديث” تفتقد أساسها الاجتماعي العميق ويجعلها مجرد تحول سطحي قابل للارتداد”.

 

الفردانية جوهر الحرية
كان أول بند أقره توماس جيفرسون – ثاني رؤساء الولايات المتحدة – في الدستور الأمريكي هو أن “الناس ولدوا جميعًا متساوين لهم الحق في الحياة والحرية والبحث عن السعادة”، والفردانية هي السمة المثلى للإنسانية لأن كل إنسان يولد حرًا “وبمقدار ما يفقد الإنسان جزءًا من هذه الفرادة يفقد – بالضرورة – جزءًا من إنسانيته في هذا الوجود” وتدين الفردانية بالفضل للحقيقة القائلة: ” من الأفضل أن يكون الناس أحرارًا لتنمية مواهبهم وميولهم الفردية”، فأعظم نتائج هذا التحرير تتراءى في الفتوحات العلمية المعاصرة، ومنذ أن ترسخ الاستخدام الحر للمعرفة تمكن العلم أن يخطو خطوات واسعة غيرت وجه العالم، وتمكن الإنسان خلال المئة سنة الماضية تحقيق مستويات من الأمن الشخصي والرفاه المادي لم يكن يتوقعها أحد، وانبثق إيمان جديد بالقدرات الذاتية غير المحدودة ودورها في صناعة النجاح الشخصي.

 

يؤمن الفردانيون بقيمة سعي الفرد إلى تحقيق أهدافه الشخصية ورغبته في الاعتماد على الذات وحب الاستقلالية التامة، ويعارضون بشدة تدخل الآخرين في شؤونه ومصالحه سواءً عن طريق القبيلة أو الطائفة أو الدولة أو أية كيانات اجتماعية أخرى، وإذا كان بمقدورنا ملاحظة حجم الاختلاف الخارجي الكبير في الأشكال والألوان والأعراق والإثنيات التي لا تخطئها العين؛ فإن حجم الاختلاف الداخلي اللامرئي في الصور الذهنية والمعتقدات الروحية والقناعات الفكرية والميول النفسية أكبر بكثير.

 

يقول عالم الاقتصاد النمساوي والحاصل على جائزة نوبل فريدريك فون هايك (1899 – 1992) في خاتمة كتابه (الطريق إلى العبودية) ما نصه: “من أجل بناء عالم أفضل، علينا أن نمتلك الشجاعة للقيام ببداية جديدة، علينا أن نزيل العقبات التي ملأت بها حماقة البشر طريقنا مؤخرًا، وعلينا أيضًا إطلاق الطاقات الخلاقة لدى الأفراد، إن المبدأ التوجيهي في كل محاولة لخلق عالم من الرجال الأحرار لا بد أن يكون التالي: سياسة حرية الفرد هي السياسة التقدمية الحقيقية الوحيدة” انتهى كلامه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد