جلاد الفكرة
الكلمةُ آخرُ الأسلحة.. لنْ تكونَ أقواها، لكنّها سلاحُ الذين تلوّثت دماؤهم، ماتت أمّهاتهم. سلاحُ الأطفالِ الذين يريدونَ أن يفعلوا شيئًا، عبد الرحمن منيف.

لطالما راود ذهني مثل سؤال: ما الذي يدفع رئيسًا أو حاكمًا ما بأن يلزم كاتبًا أو مفكرًا قعر السجن، بأمر من سيفه المرصع ذهبًا يفتح أبواب الزنازن لترحب بحلول ضيف جديد. بسوط خدمه يجلد الفكرة ويعتقل الكلمة، يصادر الحروف وبقبضته يخنق الحناجر. للكلمة وقعها، للكلمة هدفها الأسمى، للكلمة مبتغاها، للكلمة جمهور. في ظل حكم دكتاتوري قامع، لا يحق للفرد أن بنبس ببنت شفة، الكلام للمستبد وحده، مفوظ من حكم إلهي، هو من يشكل الحروف ويجمع الكلمات. يعيش الشعب بهذا الشكل، (عيشة الكلاب)، فلا يختار ولا ينتقد ولا يعبر عن رأيه بكل حرية، حتى طريقة التفكير موحدة، في نظام مدمج في قالب وحيد، الكل مجرد أرقام في سجلات وطنية، تفرقهم الأصفار ربما، ولكن يجمعهم الخضوع والخنوع لفرعون سالبًا للنفوس.

ما الذي يجعل من حاكم ذي جاه ومنصب في ملاحقة ومطاردة دائمة لكل من يفتح فيه؟ هل تهدد الكلمة عرش الحاكم ليكون في صراع متتال مع كل مثقف؟ في الحقيقة يشكل المثقف خطرًا محدقًا على الحاكم، فهو بمثابة العاصفة التي ستعصف بكل أشكال الجهل والمرجعية والتعصب الفكري، ثورة فكرية ستقلب الموازين، تمرد يجعل من الأفراد موقنين بحقوقهم، بل بقدرتهم على السيادة.

إن تحررت العصافير من أقفاصها فهي لن تعود لمن سلبها حريتها، إن فتح أحدهم أرشيف الحقيقة، سيستيقظ الجميع من سباتهم، ستفتح الأعين مما لا يخدم مصلحة الحاكم، سماء القمع المكدرة ستشرق بفضل كلمة. يلجأ الدكتاتور إلى تكبيل أنامل المبدعين لذا كل كاتب ثوري سيكون من أشد أعداء الحاكم، تصادر أعماله وتحرق صفحات كتبه ويوجه خطاب محمل بالكراهية ضد سمعته ويكون هذا الخطاب عادة محملًا بالحجج الدينية القائمة على الخطأ.

يعاني كل من يفتح فيه، تسلط عليه كل أشكال القمع من عنف جسدي: اغتصاب، الضرب، كيّ الأعضاء التناسلية بالنار، إضافة إلى التهديدات المسلطة على أسرة المظلوم من ترحال وتهديدات قتل.

عان قاليلي من العنف المسلط عليه من قبل الكنيسة الكاثوليكية، وذلك لمحاولة إثباته لدوران الأرض حول نفسها، هذا العالم الذي اختار الالتزام عنوانًا لحياته عرض حياته للخطر فقط من أجل فكرة أثبتت لاحقًا ليعود له الفضل في عديد الاكتشافات. كانت الكنيسة أنذك هي الحاكم والمشرع الذي يفوض وبيده القرار تشرب كل من اختار الحقيقة مذهبًا، كأسًا ملئت سمًا، لم يكن الحاكم فقط معارضًا، بل حتى المجتمع نظرًا لغسيل الدماغ الذي اعتمدته مثل سياسة مكبلة.

في رواية عبد الرحمن منيف (شرق المتوسط) يروي الكاتب من خلال أحداث قصة عن الواقع المرير للعربي التعيس، فيسجن رجب الذي يمثل شخصية المفكر والمصلح الطامح للتغيير ليواجه كل أشكال العنف من حاكم أقل ما يقال عنه جبان. هذه الرواية هي وصفٌ لجزءٍ بسيط من معاناة آلاف البشر في بقعة من هذه الأرض تقع، صدفةً، على الشاطئ الشرقي للبحر الأبيض المتوسط. تُعتبر هذه الرواية إحدى أهم ما كُتب في مجال ما يُسمى «أدب السجون». حيث يقول عبد الرحمن منيف في روايته: (من أجل الكلمة سافرت، ركبت البحر الصاخب في الشتاء الحزين، لعلي من مكان بعيد أستطيع أن أقول الكلمات التي حلمت بها طوال خمس سنين.

يمكن من هنا، أن نتحدث عن علاقة المثقف واليومي، علاقة التنافر والصراع الدائم، حيث يعاني المثقف لكونه فرض الاختلاف وإعتمد النقد صلاحًا؛ مما لا يخدم مصلحة اليومي الذي يرفض كل فكرة، عماد اليومي الأحكام المسبقة والقوالب الجاهزة.

الكلمة لو أيقنت الأغلبية عمق تأثيرها في تغيير مصيرهم لثار الجميع ضد مثل نظام، لتأججت نار الحرية داخلهم لحاولوا جاهدين أن ينجوا بأنفسهم من مثل طاغية. ولكن ما دام لا يزال الخوف ملكًا مسيطرًا على كل النفوس، ولعنة تقبيل أيادي الحكام قائمة، لا مفر من العبودية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد