كان في ما مضى يقال إن العالم قرية صغيرة؛ وذلك من أثر العولمة، أما الآن فلم يعد قرية، بل أشبه بفندق يسكنه الكثير من الناس، أصبحنا نعرف عن بعضنا أكثر مما نعرف عن أنفسنا، فلم يعد شيء خافيًا، مهما حاولت أن تخرج ببذلة متأنقة ووضعت ربطة عنق زاهية؛ فأنا لم يعد يغريني ملبسك، وأنا أعرف ما تقوله وتفعله في مخدعك، نعم لن تخدعني بعد اليوم ابتساماتك المجاملة، وتبريراتك الكاذبة؛ فلقد انكشفت على حقيقتك.

أتت تقارير ومؤشرات المؤسسات والجمعيات الحقوقية، والتي تعنى بحرية التعبير على رصد الكثير من الانتهاكات الصارخة لهذا الحق الذي تقره كل المنظمات الدولية، وتدعمه الدساتير الوطنية، بل إن هناك دول أصبحت تقر من القوانين التي تتنافى مع هذه المفاهيم التي وافقت ووقعت عليها.

عالم أصغر وحرية أضيق

لقد أصبحت الكلمة خطرًا داهمًا تتوجس منه السلطة في كل مكان، وحرية الرأي والتعبير لم تعد هي العنوان التي تنطلق منه تلك السلطة لتقدم نفسها للعالم معبرة عن مدى تقدمها، وحضارتها، واحترامها لحقوق الإنسان، بل الكلمة أكثر ما تخشاه، فكل شيء مفضوح فالسلطة الآن مكشوفة الرأس، ومعروفة عيوبها، ومعروضه للعيان، ولكن إياك إياك أن تنبس ببنت شفة أو تتفوه بما فيه.

كانت السلطة في وقت سابق تترك جزء من حرية التعبير كنوع من التنفيس، وإذا أتى أحد بانتقاد به حدة فيي الرأي، وجرأة في الطرح، بما لا تقبله، وبنظرها لا يليق بها، وأكثر مما تتحمله في الحال، تكذبه إن لم تستطع أن تداهنه،أما الآن فلم يعد هناك أي مجال للمجاملة لأي حديث من أي نوع كان، وحتى لو كان في حدود التلميح، فالاعتقال في الحال هو الحل المريح، الآن ليس مسموحًا لك لا باستهجان أقوالها، أو التنديد بأعمالها، أو بشجب أفعالها؛ فأنت بذلك تصبح عميل للأعداء، خائن للأوطان. 

تكميم الأفواه وقمع الآراء هو نهج ممنهج في المرحلة الحالية، ومصيرك معلق بما تحمله أفكارك ويلفظ به لسانك، فقطع الألسنة لم يكون في يوم عقوبة، وإلا كانوا أقروه، والعقل لا يعرف ما به من أفكار، وإلا كنا وجدنا رؤوس العباد معلقة، ومكتوب وجدنا لديه عقل يتعقل وفكر يتفكر ويختار، ولذلك آثرنا أن نعلقه على الأسوار ليصبح عبرة لكل من هو مار.

كان في السابق هناك من يدعون زوار الفجر، أشخاص يلبسون في الأغلب ملابس مدنية للتمويه، يأتون في الساعات الأولى من اليوم وقبل طلوع الضوء لأخذ الشخص من بيته إلى جهة غير معلومة، وكان أهله يعانون الأمرين بالبحث عن مختطفهم الذي أُخذ على حين غرة، دون حتى أن يعطى فرصة لتبديل ملابسه، ولا يعلم أهله متى سيعود ويأتي، ولذلك سموا بزوار الفجر.

 أما الآن وفي وقتنا الحاضر فلم تعد السلطات المستبدة تحتاج أن تفعل هذا الفعل، بل تنأى بنفسها عنه، حيث إنها تأتي وفي عز النهار إلى الدار، وعلى رؤوس الأشهاد دون ريبة ولا هيبة من ردود الأفعال، أو تعنت ذاك الجار للدفاع عن جاره بكل اقتدار، وتلقي القبض عليه ومعها جميع الأوراق الرسمية، ومدون بها عدد من القضايا التي لن تعجز هذه السلطة أن تلفقها له، فهي عندها الكثير لتختار  على حسب كرمها معه ومعزتها له!

كان في ما مضى هناك شيء من المروءة والأخلاق بين العباد، ومن يقبض عليه حتى لو كان في قضايا محقة مستحقة، يدعى له بأن يفرج الله عنه، وينور بصيرته ويهديه، ويبعده عن طريق الهلاك الذي يمشيه، أما الآن فالسلطة المستبدة تقبض عليك، والإعلام يتهكم ويتشمت فيك، والمجتمع يتهمك بما ليس فيك، والقضاء يؤيد ويحكم عليك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد