توقفت عن قراءة الجرائد الورقية منذ فترة طويلة، وإذا أردت معرفة الأخبار الحقيقية فإنني أتصفحها من مواقع موثوقة على الإنترنت، أو صفحات كتاب مستقلين على مواقع التواصل الاجتماعي؛ وذلك لأنني فقدت الثقة في تلك الجرائد الصفراء، التي تنشر وقائع كاذبة، أو تكذب وقائع حقيقية قد حصلت في الساحة استغفالًا للمواطن القارئ المهتم بمعرفة ما يحدث في بلاده.

ولا تعدو تلك الصحف أن تكون أبواقًا للحكومة، لا فائدة منها، بل خسائر في الحبر والورق، وقد يرجى استخدامها في تنظيف الزجاج، ووضع المقليات بها، والعذر الوحيد لها أنها قد لا تستطيع بيع أعداد كبيرة والربح منها، إذا انتقدت الحكومة؛ لأنه قد تصادرها قبل أن ترى النور.

ترتيب الدول العربية في حرية الصحافة والتعبير عن الرأي ليس جيدًا، وهنالك بعض الدول تتذيل القائمة، كالسودان وسوريا، بسبب مخاوف حكوماتهم من إثارة الصحف لقضايا يتجاهلونها، ويتعمدون إخفاءها عن الشعب، وأن يحشدوا الرأي العام عليهم، أو أن يظهروا التصدعات الداخلية للدولة، لذلك يلجأون إلى قمع الصحافة، ومنع الأقلام الصريحة أن تكتب عن أي شيء يدور داخل البلاد، وتتراوح الحريات في الدول العربية بين حرية التحدث عن أي شيء يخص الدولة، عدا الفئة الحاكمة، إلى أن تتحول الصحافة لتلميع صورة تلك الفئة بإنجازات مزيفة.

أذكر حادثة قد حدثت مؤخرًا، إذ كتبت امرأة في صفحتها على إحدى مواقع التواصل الاجتماعي، وليس في إحدى الصحف، عن صفقة مشبوهة تورطت بها زوجة الرئيس الحاكم في تلك الدولة، وتحويلها أموالًا طائلة للخارج، وقد ذكرت اسم البنك والدولة التي حولت إليها الأموال، وألقي القبض عليها فورًا بعد كتابتها لذلك دون إعطاء أي تفاصيل أخرى، وبالرغم من عدم انتشار الموضوع كثيرًا ومنعًا لتداوله قمع في محله.

وكما سجنت دولة أخرى مصورًا خمس سنوات حتى الآن؛ لأنه قام فقط بتصوير مجزرة تتستر عليها الدولة وتأبى الاعتراف بتسميتها على هذا النحو.

وقد زادت مؤخرا قائمة المساجين عن المائة في إحدى الدول العربية، والغالبية العظمى منهم سجناء رأي، إما أنهم قد أبدوا انتقادهم لتلك الدولة صراحًا، أو لم يعلنوا الولاء والمبايعة المطلقة لهم.

الجدير بالذكر أنني هنا لا أتحدث فقط عن نقد لاذع، وانتقاد لأفراد الحكومة، أو التحدث عن الفساد التي يتفشى في أركان الدولة والرشاوى التي يتلقونها، وصفقات أقربائهم التي تحدث دون محاسبة، ولكن عن وقائع تحدث للشعب ويعرفها الكل وتأبى أن تذكرها الصحف، بل يتحاشون التحدث عن الأزمات التي يعاني منها الشعب، ويتبجحون بإنكار ما يحدث.

ولأن هنالك أشخاصًا لا يحبون أن تدفن الحقيقة ويجري تجاهلها، وحتى لا تزج الحكومة بهم في السجون وجعلهم يتعفنون فيها، دون أن يبالوا، ويخرجون بعدها للعامة بعد أن ينتهكوا حرية الإنسان ورأيه، ليقولوا إن الدولة تكفل حقوق المواطن في التعبير عن رأيه دون قيود، يخفون هوياتهم وكل الطرق التي قد تؤدي لمعرفة شخصهم الحقيقي، يتسترون خلف أسماء مستعارة وعناوين مضللة ومجهولة، وهنالك آخرون يفصحون عن هوياتهم، ولكن يشاركون من خارج البلاد.

الدول المتقدمة والتي تنتهج في سياستها حرية الصحافة والرأي العام، يسخر صحافيوها وكتابها من وضع الحريات في دولنا، فقد قال أحد كتاب دولة وليدة من تلك الدول في تغريدة له على موقع تويتر، إن باستطاعته كتابة تغريدة فقط وذكر المسؤولين في الدولة، ونقدهم والتقريع بسياساتهم كذلك، دون أن تمس شعرة منه، وأنه لا يستطيع أحد كتاب دولنا فعل ذلك !

فيتكفلون هم بالحديث والكتابة بدلًا عنا، ولا يلتفتون لمحاولات حكامنا تلميع صورتهم لديهم، وما إن تسرب وثائق منهم تفضح سياسيينا، حتى يقوموا بإشغال شعوبهم عنها بإنزال مصائب تبقي رؤوسهم منخفضة في إيجاد حلول لها، بعيدًا عنهم حتى يتناسوا فينسوا.

وهذا يلفت نظرنا إلى قوة الكلمة الصائبة التي تنزل على رؤوس الفاسدين الكاذبين، الذين يحاولون صدها بقدر الإمكان، حتى لا تنتشر وتمحي وجودهم وتظهر استغلالهم للضعفاء الذين لا يملكون سوى تصديق الوعود الزائفة، والكلمات الرنانة التي يخطبون بها ودهم حتى يولونهم عليهم، ولن يتوانوا حينها حتى يقلبوا الطاولة عليهم، فيكبلونهم ويدعسون حرياتهم ومطالبهم البسيطة دون أدنى التفات.

تلك القوة هي ما ترد إلينا ما أخذ منا بالقوة، وتجلب لنا حرياتنا المفقودة، ودون مبالغات فيها وسذاجة يموت الجسد ووحدها الكلمة تبقى. وعليهم أن يفهموا أيضًا أنه بحرية أقلامنا نشارك في تحسين الكثير من الأمور داخل الدولة، ونلفت الانتباه لها حتى يسعهم تغييرها، ولسنا نسعى لنشر الفساد والخراب وتأجيج الصراعات فيها.

قمع وتقييد الآراء لا يقتصر فقط على السياسات والصحافة، ولا يكون من الدولة فقط، بل قد يكون من الأب والأم، من الزوج أو الزوجة، من المعلمين وأرباب العمل، بل من مجتمع بأكمله. وفي النهاية حرية التعبير عن الرأي حق مكفول، وليست رفاهية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد