فرنسا في عين الحدث مجددًا بعد طرح قانون جديد مثير للجدل على مجلس الشيوخ، وسط مظاهرات احتجاجية ضخمة تمردت على قيود جائحة كورونا.

قانون «الأمن الشامل»، هو قانون يتيح للشرطة الفرنسية بطريقة أو بأخرى قمع الحريات واستخدام القوة المفرطة ضد المواطنين، ويحمي العنصريين في سلك الشرطة، ويبرر ويخفي أي جريمة ترتكبها الشرطة الفرنسية، وكله تحت ستار القانون؛ إذ يجرم كل مواطن أو صحافي تسول له نفسه أو يتجرأ على تصوير موقع شرطي أو مكان تتعامل معه الشرطة أو أي من أفرادها وهو يرتكب انتهاكًا أو عنفًا ضد الأشخاص، ويتيح للشرطة مزيدًا من الصلاحيات لتقييد الحريات العامة؛ إذ يبيح لها استخدام الطائرات المسيرة والكاميرات في الفضاء العام بغرض المراقبة والتحشر في الخصوصيات بحجة حماية الأمن وملاحقة الجناة.

القانون هذا أشبه ما يكون بمثيلاته من التشريعات في الولايات المتحدة التي تغطي على انتهاكات أفراد الشرطة وعنفهم المفرط وتعطيهم صلاحيات واسعة.

في أمريكا قوانين حماية الشرطة تخدم في الغالب حماية كل شرطي يتورط في ضرر بالغ أو قتل يتعرض له الأمريكيون من أصول أفريقية بالدرجة الأولى، وفي فرنسا سيكون القانون موجهًا ضد الصحافيين والفرنسيين ذوي الأصول المهاجرة، ولا سيما المسلمون منهم.

هو قانون يشبه إلى حد كبير التشريعات الإسرائيلية التي تمنح شرطة الاحتلال صلاحيات تستهدف بدرجة أكبر الفلسطينيين في الضفة والقدس وفي أراضي 1948م، هذه التشريعات المماثلة هناك تعمل أيضًا على تبرير عنصرية شرطة الاحتلال الكبيرة ضد المكون الأفريقي الأسود من بين مكونات المجتمع الصهيوني. وفي أخذ الإسقاطات على فرنسا يمكن استذكار الحقبة «الاستعمارية» المتواصلة نسبيًّا حتى اليوم، والتي تنعكس أصداؤها على شرائح المجتمع الفرنسي نفسه تحت بنود قانون «الأمن الشامل» هذا، فالاسم وحده يشرح كل القصة.

القانون هذا أشبه ما يكون بأحكام الطوارئ في المستعمرات القديمة، ويتماهى مع قوانين الطوارئ التي تتخذها النظم الديكتاتورية الشمولية، مع العلم أن وقاحة وإجرامية تلك الأنظمة الشمولية لم تجعلها لتغير نصوص تلك التشريعات المنمقة وأن تسمي قوانينها بالشاملة، بل اكتفت بتعديل الممارسات الشرطية على الأرض، وهنا بيت القصيد.

القانون الفرنسي هذا هو تتمة المشوار التنويري لحماية حرية التعبير في بلاد الأنوار، والذي سبقته تصريحات ماكرون الجدلية الأخيرة والمتكررة، وتصريحات أحد الوزراء باحتمالية طرد أي مهاجر يعترض على تعليم أبنائه منهج حرية التعبير في المدارس الفرنسية، وهذه الحرية محصورة بدرجة عالية بتحليل ونقاش الرسوم الكاريكاتورية المثيرة للجدل، والتي تستهدف في غالبيتها حرية المعتقد وخاصة الإسلامي، وهنا الأمر المستغرب والمبتذل في أن تحارب حرية التعبير الاحتجاجي وحرية المعتقد الديني بادعائك الدفاع عن حرية التعبير ذاتها، فتلك مصيبة، ثم أن تسمح للشرطة بالقتل من وراء الكواليس في دولة تزعم أنها ربّة الحريات، فالمصيبة أعظم.

لم تغب عن الأذهان فيديوهات عنف الشرطة في فرنسا وغيرها، واستخدامها الخنق والرصاص والهراوات لقمع المتظاهرين، وهو المشهد الذي مزق الواقع البشري عمومًا والعربي منه خصوصًا وأشعل لهيب الثورات العربية.

خرجت السلطات الفرنسية لنبذ كل من احتج من الغرباء على تصريحات ماكرون والرسوم الساخرة، واتهموا ناشطي مقاطعة المنتجات الفرنسية بالتطرف رغم كون ذلك حقًّا من حقوق التعبير، أما الآن وقد انتقلت معركة هذه الحكومة والإدارة الفرنسيتين اللتين تخالفان دستور الجمهورية الفرنسية إلى داخل البيت الفرنسي، وتدور الدائرة حول ملف الشرطة وعنفها المفرط وانتهاكاتها، فننتظر ممن كانوا قبل فترة وجيزة يناطحون ويسخفون حراك الشعوب ذات المعتقد المسلم ضد سلوكيات رأس الهرم الفرنسي، ويرون في تلك النخبة ومن ورائها المنظومة السياسية والقيمية الفرنسية عنوانًا للحرية والتحضر، ننتظر منهم تسجيل الموقف، انطلاقًا من أن الحرية لا تتجزأ ومن أن معظم ما يدعى «الغرب الحر» على وجه الخصوص معارض لما تذهب إليه فرنسا من تقييد للحريات على عكس ما يروج ماكرون عن بلده.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد