قبل معانقة قلمي للورقة، كنتُ في حاجة إلى قطعة حلوى، وإلى أن أسكر سكرة عظيمة، حقيقة لا أعرف كيف خطر في بالي الكتابة في الموضوعات المجتمعية، فكثيرًا ما تذكرني بمادة التعبير ونحن في المراحل الابتدائية من الدراسة، وأعتقد بأن معظمنا كان يتفنن في كتابة موضوع تعبيره، لذا فما أتناوله هذه المرة من علوم اجتماعية، تكون لمجرد موضوع لا بد من مناقشته وفهمه بموضوعية، حتى يصل إلى مختلف الأذهان دون ملل، وخاصة إلى شبابنا المعاصر.

كونك ببساطة قد تجد العديد من الدروس ومقالات للمفكرين والأساتذة والسياسيين تحدثت عن موضوع حرية التعبير والرأي، ولكن بطريقة أخرى منمقة تمتلئ بالوعظ والنهي، وأعتقد هذا ما لا يتناسب مع أبناء جيلنا الحالي.

قال لزوجته: اسكتي! وقال لابنه: انكتم! صوتكما يجعلني مشوّش التفكير! لا تنبسا بكلمة؛ أريد أن أكتب عن حرية التعبير. أحمد مطر. شاعر عراقي.

في الواقع، هذه العبارة لا يمكن أن تنطبق فقط في الأسرة، وإنما في كافة الشؤون التي تنتقص فيها بعض الحكومات العربية حقوق الأفراد في حرية التعبير.

لعله من الضروري أحيانًا توضيح أن ليس كل من يدافع عن حرية التعبير والرأي دليل للتحلل الأخلاقي؛ إذ سرعان ما يتبادر إلى ذهن الغالبية العظمى مفاهيم مُريعة كـالتحرر الجنسي، خيانة البلد، وسير المرأة عارية…إلخ من المفاهيم السلبية، دون إسقاط مفهوم الحرية على حق التعبير، التفكير، الاعتراض، التأييد، الانتماء السياسي والفكري، فمن يتصور أن من يقول في تدوينته أحتاج إلى أن أسكر، إذن هو يشرب الكحول، وعلينا منع نشرها؟ سكارى مثلًا في أغنية السيدة أم كلثوم: هل رأي الحب سكارى، هي كلمة تستخدم أيضًا للدلالة على حالة من الهيام في الإله.

ربما من الأفضل أن نقسم الصورة إلى مشهدين لتوضيح ما أريد الحديث عنه.

المشهد الأول: حول قيادة أربع نساء الدراجات الهوائية، وتظهر الصور في المواقع الإلكترونية شابات في منتصف العشرينات، من بينهن محجبات وبلباس فضفاض يقودن دراجات هوائية.

وفي المشهد الآخر: قرار صدر مؤخرًا بمنع إحدى الروايات من التداول؛ بدعوى أنها تروّج للفاحشة والإلحاد والربا وتخدش الحياء العام.

مشهدان غير مألوفين وغير مسموح بهما في بعض المجتمعات العربية المحافظة، ركوب دراجة هوائية، أو إصدار كتاب يخالف تقاليدها وأعرافها، إنني لست ممن يؤيدون فكرة الرقابة الصارمة في التعاطي مع أمور شديدة الهامشية في الحياة، مثل: إصدارات الكتب، ركوب المرأة الدراجة الهوائية، انتقاد فرد للحكومة…إلخ.

وكأن هذه الحكومات للتو أنهت دورها في توفير الاحتياجات الأساسية للمواطنين، بحيث قضت على البطالة والفقر وحلت جميع مشاكلها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وبقي عليها أن تطمئن بمحاسبة أي مواطن يخالف قوانينها الجائرة، قبل أن تغادر الدنيا، في الوقت الذي يتسابق فيه رواد الفضاء والمغامرون في الوصول إلى الفضاء، واكتشاف مكنونات الكون.

بينما كُنت أفكر في تلك القضية، بادر إلى ذهني خبر قديم بعض الشيء شاهدته عبر موقع «تويتر»، استوقفني آنذاك، ووجدت نفسي أشبهه بشكل عجيب بما نعيشه حاليًا، لصورة البطيخ على شكل مكعب، أشاد كل شخص شاركها على مواقع التواصل الاجتماعي بشعب اليابان، واعتبروه إنجازًا عظيمًا، ولا أنكر عليهم ذلك، لكن لست أدري، فقد انتابني حينها الشعور بالحزن، وأنا أتصور ألم الفاكهة وهي تتشكل في قالب ضيق، دون أن تتمتع بالنمو على طبيعتها التي سيرها الله بها، لا لشيء سوى لرغبة مجموعة من المهندسين في إنتاج بطيخ بقياسات هندسية معينة، أتصور حالنا مثل حال هذه الفاكهة التي نشأت في قالب المجتمع والعائلة والتقاليد وسياسة السلطة الحاكمة، ولم تعد تعرف إن كان هذا شكلها الطبيعي، أم أن هذا هو شكل القالب الذي عاشت فيه؟ وبالتالي أصبح أي اعتراض هو خروج عن الصف.

ولأنني لا أحب بشكل خاص الاستطالة في تسليط الضوء على المشكلة، لكن معظمنا يدرك بأن 80% من المشاكل الداخلية المنتشرة بشكل مُذهل في بلادنا العربية، إما بشكل واضح مُباشر، أو بشكل غير مباشر، والتي يتم على أثرها السجن والإعدام، سببها فكرة: إنه متفلسف يهاجم الحكومة، إنه كافر، إنه ماسوني، إنه متآمر مع العدو، هل نعرف ما
هي الفلسفة؟ وما هو التنوير؟ فورًا يقفز الذهن إلى الإلحاد والهرطقة وأنه شيء باطل يجب دحره!

لا بد أن ندرك بأن حرية التعبير أهم ما نادى به الميثاق العالمي لحقوق الإنسان، وهي أول ما نادى به
الفيلسوف جو ستيوارت ميل، في قوله المأثور: إذا كان كل البشر يمتلكون رأيًا واحدًا، وكان هناك شخص واحد فقط يملك رأيًا مخالفًا، فإن إسكات هذا الشخص الوحيد لا يختلف عن قيام هذا الشخص الوحيد بإسكات كل بني البشر، إذا توفرت له القوة.

وهذه إشارة قوية لحق كل فرد أن يرى ما يشاء، وأن يعبر عن رأيه بكافة الطرق المشروعة، فلماذا مجرد التعبير عن رأي ما سواء بكلمة أو بفعل لايُعرضك فقط للمساءلة، بل يعرضك للبطش والعقاب ولأزمات نفسية من معظم من هم حولك؟
كيف تجرأت على كتابة هذا؟ كيف تعرضت لفعله؟ لماذا لا تعيش بعقلية المسلم المنفتح الذي يواكب عصره الصحيح، القرن الحادي والعشرين؟

أخيرًا، عندما تنتهي من قراءة مقالتي، وتعتبرها مخالفة لآرائك ومعتقداتك، وتلجأ إلى اتهام الكاتبة في تعليقك بأنها علمانية، مُلحدة، فاسقة… إلخ؛ لأنها فقط حاولت تبسيط كل ما يتم إحكام الخناق عليه، حينها تتأكد أنها أصابت في اختيار موضوع الكتابة عن حرية التعبير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد