اختار أبناء الصحفي المعارض جمال خاشقجي الالتزام بالصمت، ولم يدلوا لحد الساعة بأية كلمة في حق أبيهم المقتول في قنصلية بلاده في إسطنبول.

تركوا بلادهم المملكة العربية السعودية، واتجهوا إلى الولايات المتحدة الأمريكية ليستقروا هناك، بحثًا عن الأمن والأمان، بعيدين قدر الإمكان عن المنشار الكهربائي والملاحقة وتلفيق التهم.

وما أثار انتباهي وأنا منهمك في كتابة هذا المقال هو التزامهم الصمت، مع العلم أن العالم كله يبحث عن جثمان هذا الرجل، الذي ناضل من أجل نقل الحقيقة للعالم، إذ كان يقول «المواطن الحر أفضل للدولة من المواطن المطيع خوفًا ورغبة، وكل ما نقوله حبًا في الوطن وليس ضد الوطن».

«تم تقطيع جثة خاشقجي بعد مقتله بناء على خطة معدة مسبقًا وتم التخلص منها»  هدا ما أكده وقاله المدعي العام في إسطنبول بالحرف الواحد.

«اغتيال خاشقجي داخل القنصلية السعودية في إسطنبول يعد خرقًا لأعراف القانون الدولي» هدا ما قاله وزير الخارجية الأمريكي.

قتل خاشقجي بطريقة وحشية في قنصلية بلاده في إسطنبول جريمة خطيرة ويمكن تصنيفها بأم الجرائم، لكن ما معنى أن يلتزم أبناء المقتول الصمت لحد الساعة؟

اختار أبناء الصحفي المعارض جمال خاشقجي أصعب لغة، لغة مؤلمة جدًا، إنها لغة الصمت الأبدي.

عندما يعجز اللسان عن الحديث وتعجز الجوارح عن التعبير يبقى الصمت هو المعبر الوحيد عما يؤلم هذا الإنسان.

يقضي الإنسان سنواته الأولى في تعلم النطق، وتقضي الأنظمة العربية بقية عمرها في تعليمه الصمت.

أعتقد أن ما قاله فاروق جويدة في أبياته عن الصمت «وكلانا في الصمت سجين» ربما يتماشى مع إحساس كل من يجعل من الصمت معنى.

وهذه بعض الحكم عن الصمت:

تأمل كيف تنمو الأشجار والأزهار والأعشاب في صمت، وكيف يتحرك القمر والشمس والنجوم في صمت، عندها ستدرك إلى أي مدى نحتاج إلى الصمت كي نكون مؤثرين.

لا جدوى من الاحتماء بمظلة الكلمات، فالصمت أمام المطر أجمل.

البكاء في داخلها وإن قيده الصمت يمكن أن يرتفع ليملأ أسماع المارة في الشارع. إن صمت الموتى يجعل الباقين على قيد الحياة يصابون بالجنون.لو كنت تحس وهج الصمت، لو كنت تسمع انتحاب الصمت وابتهال الصمت لتمزقت، لعرفت مأساتي.

جدير بالدكر أن مصادر في الرئاسة التركية دكرت أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تحدث هاتفيا مع أفراد أسرة جمال خاشقجى أول أمس الثلاثاء، وقدم لهم التعازي متعهدًا بأن تفعل تركيا كل ما في وسعها لحل جريمة قتله.

وبحسب وكالة الأناضول التركية فقد أعرب أردوغان عن حزنه العميق لمقتل خاشقجي مؤكدًا أنه سيتم فعل كل شيء من أجل الكشف عن ملابسات الجريمة.

وعلى خلفية تلك القضية أعلن النائب العام السعودي، سعود بن عبد الله المعجب، أن المشتبه بهم في قضية قتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي، داخل قنصلية بلاده في إسطنبول، أقدموا على فعلتهم «بنية مسبقة».

إلى متى يظل أبناء الصحفي المعارض جمال خاشقجي يلتزمون الصمت؟ إنها مأساة حقيقية حلت بهم ودمرت حلمهم وآمالهم وجعلت أيديهم مكتوفة وأعينهم تنظر إلى العالم ببراءة وصمت عميق.

ودع العالم صحفي وصاحب قلم حر، إنه جمال خاشقجي الدي ترك مقالات وكلمات كانت وما تزال تخيف الأنظمة الشمولية والديكتاتورية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد