من وطني الغالي الأردن، إلى الإمارات العربية المتحدة، ومنها إلى أمريكا. مضى زُهاء 15 سنة منذ تركت موطني في الأردن، وقصدت باب الله، أبحث عن حياة أفضل لي ولعائلتي. لربما كان المال الحافز الأقوى في المُعادلة، ولكنني اكتشفت أنني كنت أبحث عن شيء آخر، استشعرته في داخلي، ولم أتجرأ على قوله حتى هذه اللحظة

في الحقيقة كنت أبحث عن نفسي، عن تحقيق ذاتي، عن تقدير واحترام، غير نابع من منصب أو انتماء إلى عشيرة، عن مكان أستطيع أن أتكلم به بحرية، أعبر عن آرائي بلا خوف، ولكن بعد طول الصمت هل تستطيع الكلام؟ هل بعد كل ما يتعرض له الفرد في عالمنا العربي من تكبيل الأفواه والأفكار وغسيل الأدمغة (الأدلجة) الممنهج، لا يزال قادرًا على التعبير. وإن تفوه، هل تخرج الكلمات كما هي في عالم الأفكار، أم أنه أصابها ما أصاب اللسان من العجز، وهل تضررت حتى القدرة على التفكير؟

في السنتين الماضيتين، وأثناء رحلتي لطلب العلم في أمريكا، بدأت ألحظ تأثير نظام التعليم الحر على تفكيري، التدريب المكثف على التفكير الناقد شرع يحرر أفكاري من قيود وأغلال. يطلب البروفيسور ورقة بحثية حول موضوع أكاديمي، وجل اهتمامه منصب على ما هو رأينا بالموضوع، هل نتفق مع الكاتب أم لا؟ ما أوجه القوة أو الضعف في حجة كاتب المقال؟ هل أصاب أم اخطأ، وما قيمة الخطأ، وكيف نتعلم من أسلوب الطرح والأفكار وترتيبها. يبدأ المشوار في الوجل من النقد، وتتقمص أفكار هذا الباحث أو ذاك، وتشعر بالضآلة أمام غزارة علمهم، وتتساءل من أنا حتى أنقد هذه الأفكار؟ ولا ينفك معلموك يحثونك على التعبير عن نفسك، والثقة بقدراتك، حتى تنفلت من عقالك وتبدأ بالإيمان بأنك حتمًا تستطيع.

ما هو الموضوع الأول الذي سأطرحه عليكم أعزائي القُرّاء، هل له علاقة بالدين، أم المرأة، أم السياسة، أم الاقتصاد، أم التربية، أم السلوك، أم الجنس، أم العقل؟

سأتحدث عن مكانة العقل قليلًا. دار بيني وبين زميل لي حوار حول أمر فقهي، وكان رأيي أن العقل ينافي هذه الفتوى المتعلقة بأمر بسيط يحرم قيادة المرأة للسيارة، وكان جوابه بأن هناك فتوى من متخصص في العلوم الشرعية بحرمة هذا الأمر، فأجبته بأن عقلي والمنطق السليم يرفضان هذا الجدل. أجاب بأنه يعلق مسؤولية اتخاذ القرار في عنق هذا المفتي وأنه «أمام الله» غير مسؤول عن صحة أو خطأ هذا الرأيي. شيء عجيب، وهل بتجميد الفكر وإعمال العقل، تنعدم المسؤولية الفردية عن القرارات؟ لا أعتقد ذلك.

في مقتبل الشباب، اعتنقت الكثير من هذه الأفكار، إلى أن حضرت يومًا مُحاضرة للدكتور طارق سويدان (بالمناسبة لست إخوانيًا، ولا أتبع أي جهة سياسة أو مذهبية) في جامعة العلوم والتكنولوجيا، لم يكن موضوع المُحاضرة دينيًا، بل عن قيمة العلم والتخصصات الجامعية. لا تزال هذه الكلمات في فكري منذ أكثر من عشرين سنة: «عقلك لك، لا تبعه لشيخ أو زعيم، أو مُعلم، أو لأي أحد»، وهذا ما شرحته لزميلي ولا أدري إن كنت قد أقنعته أم لا، وليس هذا مهمًا، المهم هو الاستماع للطرف الآخر والتعبير عن رأيك بكل احترام.

هذه المدونة هي بداية الطريق، نحو التحرر والانطلاق. طرح الأفكار على الجميع عبر منصة مفتوحة كهذه، طريق للانعتاق من الخوف، يضعك في مهب الريح ما بين مؤيد وناصح ومعارض وجاهل، مع احترامي  وتقديري للجميع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

After so much silence, can you still speak?
عرض التعليقات
تحميل المزيد