الحرية هي أن تتنفس، تأخذ قسطًا من الهواء المُطلق الذي لا يملكه أحد، فيمنحك ريًا وحياة، تأخذه دون خوفٍ أو قهر، وبالتبعية دون تحايل أو خداع، تأخذه إذًا وأنت مَملوء بأحاسيس عدة لكأنها مغروسة بكيانك ومطبوعة بصفحة ذاتك، أحاسيس جوهرها أنك تستحق، وأنك صاحب حق، وتأخذ ما يحق لك، وحين تأخذه – بوصفه ليس منحة من أحدٍ ولا عطية ولا منة – فسوف تشعر أنك مُفعم بالقوة، والدافعية، والانتصار.

الحرية إذًا هي القوة في أبسط صورها، مهما كانت إمكاناتك المادية أو المعنوية، أنت حُر فأنت إذًا قوي، والحرية بهذا المدلول ميثاق بينك وبين نفسك، للوصول إلى حالة النشوة التي هي «القوة» عينها، تلك الحالة التي تُنتَزع انتزاعًا، ولا تُمنَح من بشر، وذلك الأمر يشكل وجهًا عريضًا من وجوه السعادة.

لماذا ينعتون الحرية إذًا؟! وهي بمثل هذه القوة والرشاقة والتجدد، فيملؤون الدنيا بمصطلحات (الحرية السياسية والاقتصادية والدينية، وحرية المرأة وحرية الأقليات والمهاجرين ومجتمعات المهمشين… إلخ) حتى أضحت اللفظة مثالًا سيء السمعة، ومادة خصبة للتجريح والإثارة حين يصرون على جعلِها منعوتًا دائمًا، لا شيئًا فاضلًا في ذاتِه. فيروجون لقيم الحرية السياسية والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان بينما لا يمارسون سوى ملء الصناديق وتفريغها في عملٍ دؤوب ومكرر وممل، تمامًا مثل سيزيف الذي يهدر حياته دونما جدوى، والشيء ذاته يحصُل في ميدان الاقتصاد، حيث يقنعونك بأن حريتك الفردية هي أثمن ما يمكن أن تحصل عليه، وأن الملكية الفردية هي وسيلتك لتكون موجودًا وباقيًا في مجتمع الرفاهية، بينما تضغط قيم السوق الحر، والرأسمال، والاحتكار، وسوء التوزيع، على الحيز البسيط الذي يشغله وجودك في هذه الحياة، باعتبارك فردًا أعزل في مواجهة سلطة شراكات اقتصادية ضخمة ومؤسسات متعدية الجنسيات، والتي تمارس بدورها وبشكل دؤوب، ضغطًا متزايدًا لا مثيل له على إنسان اليوم، فتسحق وجوده وتحيله إلى كائن مقهور، والوضع الحقيقي الذي يُصهر إنسان اليوم في بوتقته، هو افتقاده التام لحريته وغرقه المخزي لاحتياجاته المُصطنعة وإدمانه للاستهلاك. هذا ويصدعون آذاننا بالحرية الدينية، ودماء المقهورين حارة لم تجف بعد، حروب على الدين والطائفة والعرق في كل مكان تقريبًا من مجتمعات نصف الكرة الجنوبي، في مالي ونيجيريا والسودان والصومال واليمن والعراق وسوريا وأفغانستان، وهي ولا غرو تمثل محاولة جادة لتقويض الآثار الكارثية للنمط الاقتصادي الذي يقوده الغرب في عالم اليوم، فيتم توتير مناطق الصراع بل وخلق بؤر صراعية جديدة خلقًا بغير ولادة، بوصفها فرصة نموذجية لإبرام صفقات التسليح الناجحة عبر المحيطات، وتشغيل المصانع وزيادة الأرباح وتقليل التعطيل، هذا فضلًا عن الغثيان الذي أصبحت تثيره الكلمة كلما دأبوا على إفهامنا أننا لا ينبغي أن نعيش دون أن نستشعر عذابات المثليين، وحق المرأة في أن تبرز صدرها أو أن تلد بغير ماء الرجل.

الحرية أيها السادة أعمق من هراء عصرٍ تخلى طواعية عن بداهاته، وضلَّ طريقه بين متاهات الحداثة وبريق التحديث، وانكماش روح الإنسان التي اغتربت عن عالمه، ذلك العالم الغارق حتى الحضيض في كل شيءٍ يمارس القهر ضد الإنسان ذاته، أقصد ضد روح الإنسان الحائمة، ومن هذا المنطلق أرفض المدلول الغربي عن الحرية منعوتًا لا جوهرًا في ذاته.

ماذا نقصد بالحرية إذًا؟ وما مؤداها إذا كانت جوهرًا في ذاته، جوهرًا يستحق التأمل والتفكر. إنَّ الحرية كما نراها هي خصيصة تدل على الإنسان وحده وتشير إليه، وهي وحدها مناط التكريم الذي اختص به الإنسان على سائر ما في الكون من موجودات، إذ بالحرية لا بالعقل وحده يكون الإنسان إنسانًا، راشدًا ومسئولًا وقادرًا على الاختيار، لأن الإنسان الذي يتمتع بالعقل بينما يفتقد الحرية، يكون مبتورًا مشوهًا لا يملك قراره. وإذا كانت الحرية بهذا المعنى تمثل جوهرًا فاضلًا في ذاته، وهي أيضًا كما أشرنا آنفًا تعادل القوة في أبسط صورها، فإننا الآن أمام صرحٌ شامخ يكاد بريقه يخطف بالبصر، لأن الإنسان الذي وُلِدَ ونشأ وعاش في بيئة لم يخترها، وفي بيتٍ لم يختره، وفي مجتمع أو زمن لم يختره، وتربى وتعلم وفق نمط معرفي معين لم تُتَح له الفرصة لاختياره، شاءت مقادير الخالق أن يكون إنسانًا حُرًا مُخيرًا، يمتلك عصا سحرية تسمى «الإرادة»، وتكنولوجيا جبارة ترسم له الطريق تسمى «العقل»، وبالإرادة ثم العقل يستطيع الإنسان أن يغير ذاته وأن يضفي على بيئته روحًا جديدة. وهو بهذه الرؤية – أي الإنسان – جدير بأن يُسأَل عما يفعل، هل أحسن أم أساء، لأنه كان دائمًا مختارًا ومخيرًا وحُرًا وصاحب إرادة تُقر وترفض، وذا عقلٍ يميز الطيب عن الخبيث والحق عن الباطل.

الحرية وفق المدلول السابق، هي حرية الإنسان أولًا وآخرًا، حريته على العموم دون تخصيص لفئةٍ ما أو لشعبٍ أو لجماعةٍ معينة، هي حرية الإنسان الكاملة غير المنقوصة، حريته العادلة، حريته الحقة غير الموهوبة إليه لا فضلًا ولا منة، حريته التي هي أساس مسئوليته وسؤاله عن دَوره على هذه الأرض، حريته التي هي مناط التكليف والتكريم، حريته في أن يختار سلوكه لا أن يُختار له، وأن يحيا تجربته الحُرة والفريدة والتي تخصه وتحمل بصمته، دون أن تسيطر عليه أية أحاسيس من خوفٍ أو قهرٍ من أي سلطةٍ كانت.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الحرية, حرية
عرض التعليقات
تحميل المزيد