للوهلة الأولى يبدو العنوان غريبًا، لكن هذه الجملة أصبحت واقعًا نعيشهُ أصبحت تتكرر أمامنا وكثيرًا ما أصبحنا نسمعها، أصبحت ردًا لكل شخص يفعل شيئًا غير مألوف، شاذًا، حتى لو كان ما يفعله محرمًا، يدافع عن نفسه بحجة «الحرية الشخصية» ويبادرك الاتهام بأنك «متطفل» تتدخل في ما لا يعنيك متوهمًا أن سوء فعله سينعكس عليه وحده ولن يمتد للآخرين وكأنه لم يسمع بحديث النبي صلى الله عليه وسلم:

عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا؛ كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا، وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِن الْمَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا» (رواه البخاري).

فنحن نستقل نفس السفينة تصارعها أمواج عاتية من الأهواء والمغريات تصيب كلًا منا بدرجات متفاوتة، أن ينحرف أحدنا ويحيد عن الطريق فهذا ليس هلاكًا لنفسه وحسب بل هلاك للسفينة كلها بكل من عليها فتغرق في أعماق الضياع والانحدار، فيتحمل الكل خطأ البعض الذي أحدثه في نصيبه.

أصبحنا الآن نعيش عصرًا يملؤه فتنٌ كقطع الليل المظلم، انقلبت فيه الموازين وتبدلت فيه الحقائق، تغيرت فيه المسميات والألفاظ وأصبحت تسمى بغير اسمها كي تهوّن من خطبها فأصبح الخمر «مشروبات روحية» وأصبحت البغيّ «Single Mother» وأصبح الزنا «علاقة حب» وأصبح الشذوذ وممارسة فعلة قوم لوط «مثلية» وأصبح التبرج «تحررًا»، فهذه الأسماء الجديدة تضفي عليها نوعًا من الاستسهال وتقليلًا لحدتها فتستسيغُها النفس وتنتهك حرمتها وأصبحنا نُفتن بالكثرة والتقليد الأعمى لغيرنا وأصبحنا هملًا رعاعًا نتخلى عن قيمنا وهويتنا نسير نحو ما ألفينا عَليه الغرب مهما كان مناقضًا لسلوكنا أو منافيًا لديننا، تناسينا الميزان الحقيقي للحق والضلال وأصبح المرجع هو «الكثرة» على الرغم من تلك التحذيرات التي وجهها القرآن لنا ونعته الكثرة دائمًا بأنهم قوم لا يعلمون، يجهلون، فاسقون، كالأنعام…

حين نرى انتشار الفتن والرذائل من حولنا لا بد أن نتذكر قول الله تعالى «كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ» فهذه الخيرية مقترنة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تسقط عنا متى نتهاون في ذلك، وعلى الجانب الآخر كان أحد أسباب لعنة الله على بني إسرائيل أنهم كانوا لا يتناهون عن منكر «لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ» نتذكر قصة أصحاب السبت عندما انقسموا  إلى ثلاث شيع، شيعة منهم عصت الله وصادت يوم السبت، شيعة أخرى لم تصد السبت وأنكرت عليهم ذلك وقاموا إليهم بالموعظة والنصيحة، شيعة أخيرة لم تصد السبت ولكنها مع ذلك لم تنه الشيعة الأولى واستنكروا حتى نصح الشيعة الثانية وقالوا لهم «لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ۙ اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ۖ» لكنهم ردوا عليهم «قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ»، حتى يكون لنا عذر عند الله فيما أخذ علينا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فكانت النتيجة «أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ» لم يشرِّفهم الله بالذكر مع الناجين بل هناك من الروايات من تذهب إلى أنهم قد أُهلِكوا مع الظالمين ليس لشيء إلا أنهم قد تخاذلوا عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

قد يتردد البعض عندما يهم بنصح أحدهم ويتخاذل عن ذلك لا لشيء سوى لأنه مقصر ويقترف المعاصي والآثام، لكن من منا ليس بمقصر ولو تعللنا بهذه الحجة فلن تكون لأحد منا معذرة عند الله ولاندثر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولهلكنا جميعًا «إذا لم يعظ في الناس من هو مذنب، فمن يعظ العاصين بعد محمد»، وقيل للحسن البصري: «إن فلانًا لا يعظ ويقول: أخاف أن أقول ما لا أفعل، فقال الحسن: وأينا يفعل ما يقول، ود الشيطان أنه ظفر بهذا فلم يأمر أحد بمعروف ولم ينه عن منكر».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد